السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٠ - باب استخفائه
من الإبل و اللّه ما رأيت مثله قط، همّ بي أن يأكلني، فلما ذكر ذلك لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «ذاك جبريل لو دنا لأخذه» و إلى ذلك يشير صاحب الهمزية بقوله:
و أبو جهل إذ رأى عنق الفح* * * ل إليه كأنه العنقاء
أي و أبو جهل الذي هو أشد الأعداء على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وقت أن همّ أن يلقي الحجر عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو ساجد أبصر عنق الفحل و قد برزت إليه كأنه الداهية العظيمة:
أي فرجع عن ذلك الرمي بذلك الحجر: أي و في رواية أن أبا جهل قال: رأيت بيني و بينه كخندق من نار. و لا مانع أن يكون وجد الأمرين معا.
و ذكر في سبب نزول قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) [يس: الآية ٨] أي إنا جعلنا أيديهم متصلة بأعناقهم واصلة إلى أذقانهم ملصقة بها، رافعون رءوسهم لا يستطيعون خفضها من أقمح البعير رفع رأسه وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) [يس: الآية ٩] إن الآية الأولى نزلت في أبي جهل لما حمل الحجر ليرضخ به رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رفعه أثبتت يداه إلى عنقه و لزق الحجر بيده فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم فلم يفكوا الحجر من يده إلا بعد تعب شديد. و الآية الثانية نزلت في آخر لما رأى ما وقع لأبي جهل قال أنا ألقي هذا الحجر عليه، فذهب إليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما قرب منه عمي بصره فجعل يسمع صوته و لا يراه، فرجع إليهم فأخبرهم بذلك.
و عن الحكم بن أبي العاص: أي و ابنه مروان بن الحكم، أن ابنته قالت له: ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا و أعجز في أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) منكم يا بني أمية، فقال لها:
لا تلومينا يا بنية إني لا أحدثك إلا ما رأيت، لقد أجمعنا ليلة على اغتياله (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما رأيناه يصلي ليلا جئنا خلفه فسمعنا صوتا ظننا أنه ما بقي بتهامة جبل إلا تفتت علينا:
أي ظننا أنه يتفتت، و أنه يقع علينا، فما عقلنا حتى قضى صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) و رجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه فرأينا الصفا و المروة التصقتا إحداهما على الأخرى، فحالتا بينا و بينه، و يتأمل هذا لأن صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) إنما تكون عند الكعبة و ليست بين الصفا و المروة.
و في رواية «كان (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي فجاءه أبو جهل فقال: أ لم أنهك عن هذا فأنزل اللّه تعالى: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) [العلق: الآية ٩ و ١٠] إلى آخر السورة».
و في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما انصرف من صلاته زأره أبو جهل أي انتهره و قال: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل اللّه تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) [العلق: الآية ١٧ و ١٨]» قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: لو دعا ناديه لأخذته زبانية اللّه: أي و قال يوما: و لقد لقي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): لقد علمت أني أمنع