السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٢ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
الحق تعالى قد كشف لنا عن حياتها عينا و أسمعنا تسبيحها و نطقها، و كذلك اندكاك الجبل لما وقع التجلي إنما كان ذلك منه لمعرفته بعظمة اللّه عز و جل، و لو لا ما عنده من العظمة لما تدكدك، و اللّه أعلم.
باب: بيان حين المبعث و عموم بعثته (صلى اللّه عليه و سلم)
قال ابن إسحاق: لما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أربعين سنة بعثه اللّه رحمة للعالمين، و كافة للناس أجمعين. و كان اللّه قد أخذ له الميثاق على كل نبيّ بعثه قبله بالإيمان به، و التصديق له، و النصر على من خالفه، و أن يؤدّوا ذلك إلى كل من آمن بهم و صدقهم: أي فهم و أممهم من حملة أمته (صلى اللّه عليه و سلم) كما سيأتي عن السبكي.
فعن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه: «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث على رأس الأربعين». قال: و هذا هو المشهور بين الجمهور من أهل السير، و العلم بالأثر.
و قيل بزيادة يوم. و قيل بزيادة عشرة أيام، و قيل بزيادة شهرين. و قيل بزيادة سنتين، و هو شاذ، و أكثر منه شذوذا ما قيل إنه بزيادة ثلاث سنين، و ما قيل إنه بزيادة خمس سنين. قال بعضهم: و الأربعون هي سن الكمال، و نهاية بعث الرسل: أي لا يرسلون دونها، و من ثم قال في الكشاف: و يروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة، هذا كلام الكشاف. و أما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء و هو ابن ثلاث أو أربع و ثلاثين سنة: أي و معلوم أنه دعا إلى اللّه قبل ذلك، فهو قول شاذ حكاه وهب بن منبه عن النصارى ا ه: أي و عليه جرى غير واحد من المفسرين، بل قال في ينبوع الحياة: لم يبلغني أن أحدا من المفسرين ذكر في مبلغ سنه إذ رفع أكثر من ثلاث و ثلاثين سنة هذا كلامه.
و في الهدى: و أما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء و له ثلاث و ثلاثون سنة، فهذا لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه، هذا كلامه. و يوافق ما تقدم عن المفسرين و ما في «العرائس»: و لما تمت له يعني عيسى عليه الصلاة و السلام ثلاثون سنة أوحى اللّه تعالى إليه أن يبرز للناس، و يدعوهم، و يضرب الأمثال لهم، و يداوي المرضى و الزمنى و العميان و المجانين، و يقمع الشياطين، و يذلهم و يدحرهم، ففعل ما أمر به، و أظهر المعجزات، فأحيا ميتا يقال له عازر بعد ثلاثة أيام من موته.
و عبارة الجلال المحلي في قطعة التفسير: أحيا عيسى عليه الصلاة و السلام أربعة. عازر صديقا له، و ابن العجوز، و ابنة العاشر، و سام بن نوح، هذا كلامه.
و ذكر البغوي قصة كل واحد فراجعه. و كان عيسى عليه الصلاة و السلام يمشي على الماء، و مكث في الرسالة ثلاث سنوات ثم رفع، و يوافق ذلك أيضا قول ابن الجوزي: و أما حديث: و ما من نبي إلا نبئ بعد الأربعين فموضوع، لأن عيسى عليه