السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٠ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
ثم قالت اللهم هذا عتيقك من الموت فهبه لي فعاش. قيل و يدل له ما ذكر بعضهم أن أمه كانت إذا هزته تقول: عتيق و ما عتيق، ذو المنظر الأنيق.
و في كلام ابن حجر الهيتمي: و صح أن الملقب له به النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لما دخل عليه في بيت عائشة، و أنه غلب عليه من يومئذ. قال: و به يندفع أن الملقب له أبوه و زعم أنه أمه هذا كلامه، و ليتأمل قوله في بيت عائشة مع ما تقدم و ما في كلام السهيلي.
قيل و سمي عتيقا، لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له حين أسلم أنت عتيق من النار.
و كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه صدرا معظما في قريش على سعة من المال و كرم الأخلاق من رؤساء قريش و محط مشورتهم، و كان من أعف الناس. كان رئيسا مكرما سخيا يبذل المال، محببا في قومه، حسن المجالسة، و كان من أعلم الناس بتعبير الرؤيا، و من ثم قال ابن سيرين و هو المقدم في هذا العلم اتفاقا كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان أعلم الناس بأنساب العرب.
فقد جاء عن جبير بن مطعم البالغ النهاية في ذلك أنه قال: إنما أخذت النسب من أبي بكر لا سيما أنساب قريش، فإنه كان أعلم قريش بأنسابها و بما كان فيها من خير و شر، و كان لا يعدّ مساويهم، فمن ثم كان محببا فيهم، بخلاف عقيل بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، فإنه كان بعد أبي بكر، أعلم قريش بأنسابها و بآبائها و ما فيها من خير و شر لكن كان مبغضا إليهم لأنه كان يعد مساويهم، و كان عقيل يجلس إليه في المسجد النبوي لأخذ علم الأنساب و أيام العرب و وقائعهم.
و في كلام بعضهم: كان أبو بكر عند أهل مكة من خيارهم، يستعينون به فيما يأتيهم و كانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد.
قال الزمخشري: و لعله كني بأبي بكر، لابتكاره الخصال الحميدة، و كان نقش خاتمه «نعم القادر اللّه» و كان نقش خاتم عمر رضي اللّه تعالى عنه «كفى بالموت واعظا يا عمر» و كان نقش خاتم عثمان «آمنت باللّه مخلصا» و كان نقش خاتم عليّ «الملك للّه» و كان نقش خاتم أبي عبيدة بن الجراح «الحمد للّه».
و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة.
أي وقفة و تأخر و تردد- إلا ما كان من أبي بكر».
و في رواية «ما كلمت أحدا في الإسلام إلا أبي عليّ و راجعني في الكلام، إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله و استقام عليه» أي و من ثم كان أسدّ الصحابة رأيا، و أكملهم عقلا، لخبر تمام «أتاني جبريل فقال لي إن اللّه أمرك أن تستشير أبا بكر» و نزل فيه و في عمر وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: الآية ١٥٩] كان أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بمكان الوزير من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فكان يشاوره في أموره كلها.