السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩١ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
و قد جاء «إن اللّه تعالى أيدني بأربعة وزراء: اثنين من أهل السماء جبريل و ميكائيل، و اثنين من أهل الأرض أبي بكر و عمر» و في حديث رواته ثقات «إن اللّه يكره أن يخطأ أبو بكر» و في رواية «إن اللّه يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض».
و جاء الحسن بن علي و هو صغير إلى أبي بكر و هو يخطب على المنبر، فقال له: انزل عن مجلس أبي، فقال: مجلس أبيك و اللّه لا مجلس أبي، فأجلسه في حجره و بكى، فقال علي: و اللّه ما هذا عن رأيي، فقال: و اللّه ما اتهمتك.
و وقع نظير ذلك لسيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه مع سيدنا الحسين، فإنه قال له و هو يخطب: انزل عن منبر أبي، فقال له: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا؟ فقام عليّ فقال له: ما أمره بهذا أحد، ثم قال للحسين: لأوجعنك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي، صدق منبر أبيه.
قال: و سبب مبادرته إلى التصديق ما علمه من دلائل نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)، و براهين صدق دعوته قبل دعوته، و لرؤيا رآها قبل ذلك. رأى القمر نزل إلى مكة فدخل في كل بيت منه شعبة ثم كان جميعه في حجره، فقصها على بعض أهل الكتاب، فعبرها له بأنه يتبع النبي المنتظر الذي قد ظل زمانه، و أنه يكون أسعد الناس به، و لعل هذا الذي من أهل الكتاب هو بحيرا. فقد رأيت أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه رأى رؤيا فقصها على بحيرا، فقال له: إن صدقت رؤياك فإنه سيبعث نبي من قومك تكون أنت وزيره في حياته، و خليفته بعد مماته.
أي و أخرج أبو نعيم عن بعض الصحابة أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه آمن بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) قبل النبوة: أي علم أنه النبي المنتظر، لما مر عن بحيرا الراهب، و لما سمعه من شيخ عالم من الأزد قد قرأ الكتب نزل به في اليمن، فقال له أحسبك حرميا، فقال أبو بكر نعم، فقال له أحسبك قرشيا، قال نعم، فقال له أحسبك تيميا، قال نعم قال له: بقيت لي فيك واحدة، قال و ما هي؟ قال له: تكشف لي عن بطنك، فقال له لا أفعل أو تخبرني لم ذلك؟ فقال: أجد في العلم النجيح الصادق أن نبيا يبعث في الحرم يعاون على أمره فتى و كهل. فأما الفتى فخواض غمرات و دفاع معضلات، و أما الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة و على فخذه اليسرى علامة: أي مع كونه حرميا قرشيا تيميا، بدليل قوله أحسبك حرميا أحسبك قرشيا أحسبك تيميا، و ما عليك أن تريني ما سألتك، فقد تكاملت فيك الصفة: أي كونه حرميا قرشيا تيميا أبيض نحيفا إلا ما خفي عليّ، فقال أبو بكر فكشفت له عن بطني فرأى شامة بيضاء أو سوداء فوق سرتي، أي و رأى العلامة على الفخذ الأيسر، فقال أنت هو و رب الكعبة، قال أبو بكر: فلما قضيت أربي من اليمن أتيته لأودعه، فقال: أ حافظ عني