السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢٤ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
لهيبتها من أن أدخل تحتها، لأني كنت أخاف أن تسقط عليّ بالذنوب، ثم بعد مدة دخلتها فرأيت العجب العجاب، تمشي في جوانبها من كل جهة، فتراها منفصلة عن الأرض، لا يتصل بها من الأرض شيء و لا بعض شيء، و بعض الجهات أشد انفصالا من بعض، و هذا الذي ذكره ابن العربي، أن قدمه (صلى اللّه عليه و سلم) أثر في صخرة بيت المقدس حين ركب البراق، و أن الملائكة أمسكتها لما مالت، قال به الحافظ ناصر الدين الدمشقي حيث قال في معراجه المسجع: ثم توجها نحو صخرة بيت المقدس و عماها، فصعد من جهة الشرق أعلاها، فاضطربت تحت قدم نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) و لانت، فأمسكتها الملائكة لما تحركت و مالت.
و قول ابن العربي حين ركب البراق يقتضي أنه عرج به على البراق، و سيأتي الكلام فيه، و تقدم أن الجلال السيوطي سئل عن غوض قدمه (صلى اللّه عليه و سلم) في الحجر هل له أصل في كتب الحديث؟ فأجاب بأنه لم يقف في ذلك على أصل و لا رأى من خرّجه في شيء من كتب الحديث، و تقدم ما فيه.
و في العرائس، قال أبيّ بن كعب: ما من ماء عذب إلا و ينبع من تحت الصخرة ببيت المقدس ثم يتفرق في الأرض، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.
قال (صلى اللّه عليه و سلم) «فنشر لي» بضم النون و كسر الشين المعجمة: أي أحيا لي بعد الموت «رهط من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام» لأن نشر الميت إحياؤه. و الرهط: ما دون العشرة من الرجال «فيهم إبراهيم و موسى و عيسى عليهم الصلاة و السلام» أي و حكمة تخصيص هؤلاء بالذكر لا تخفى «فصليت بهم، و كلمتهم» أي فالمراد نشروا عند دخوله (صلى اللّه عليه و سلم) المسجد و صلى بهم ركعتين؛ و وصفهم بالنشور واضح في غير عيسى عليه الصلاة و السلام، لأنه لم يمت. و وصف الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بالإحياء بعد الموت سيأتي في قصة بدر في الكلام على أصحاب القليب ما يعلم منه أن المراد بإحياء الأنبياء بعد الموت شدة تعلق أرواحهم بأجسادهم حتى أنهم في البرزخ بسبب ذلك أحياء كحياتهم في الدنيا، و قد ذكرنا هناك الكلام على صلاتهم في البرزخ و حجهم و غير ذلك. و في رواية «ثم صلى (صلى اللّه عليه و سلم) هو و جبريل كل واحد ركعتين، فلم يلبثا إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير» أي مع أولئك الرهط، فلا مخالفة بين الروايتين «فعرف النبيين من بين قائم و راكع و ساجد، ثم أذن مؤذن و أقيمت الصلاة».
أقول: ذكر ابن حبيب أن آية وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا [الزخرف:
الآية ٤٥] الآية، نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. و يجوز أن يكون قوله و أقيمت الصلاة من عطف التفسير، فالمراد بالأذان الإقامة، و ليس المراد بالإقامة الألفاظ المعروفة الآن لما سيذكر في الكلام على مشروعية الأذان و الإقامة بالمدينة، و على أنه من عطف المغاير، و يدل له ما في بعض الروايات «فلما استوينا في المسجد أذن