السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٤ - باب ذكر مولده
و قد قيل: في اسم الوالدة و القابلة الأمن و الشفاء، و في اسم الحاضنة البركة و النماء، و في اسم مرضعته أولا التي هي ثويبة الثواب، و في اسم مرضعته المستقلة برضاعه التي هي حليمة السعدية الحلم و السعد. قالت أم عبد الرحمن: فاستهل، فسمعت قائلا يقول: يرحمك اللّه تعالى، أو رحمك ربك: أي أو يرحمك ربك، و لهذا القول الذي لا يقال إلا عند العطاس: أي الذي هو التشميت بالشين المعجمة و المهملة، حمل بعضهم الاستهلال الذي هو في المشهور صياح المولود أول ما يولد: يقال استهل المولود: إذا رفع صوته على العطاس مع الاعتراف بأنه لم يجىء في شيء من الأحاديث تصريح بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما ولد عطس انتهى: أي فقد قال الحافظ السيوطي: لم أقف في شيء من الأحاديث يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها: أي و عطس بفتح الطاء يعطس بالكسر و الضم و حكي بالفتح، و لعله من تداخل اللغتين، لكن في الجامع الصغير «استهلال الصبي العطاس» و حينئذ يكون استهلال المولود له معنيان: هما مجرد رفع الصوت و العطاس، و حمل هنا على العطاس بقرينة الجواب الذي لا يقال إلا عند العطاس، و قد أشار إلى التشميت صاحب الهمزية (رحمه اللّه) بقوله:
شمتته الأملاك إذ وضعته* * * و شفتنا بقولها الشفاء
أي قالت له الأملاك: رحمك اللّه، أو رحمك ربك وقت وضع أمه له، و فرحتنا بقولها المذكور الشفاء التي هي أم عبد الرحمن بن عوف.
أقول: قال بعضهم: و لعله (صلى اللّه عليه و سلم) حمد اللّه بعد عطاسه لما استقر من شرعه الشريف أنه لا يسن التشميت: إلا لمن حمد اللّه تعالى، هذا كلامه. و يدل لما ترجاه ما تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حين خروجه من بطن أمه قال «الحمد للّه كثيرا».
و في كلام بعض شراح الهمزية: و يجوز أن يكون شمت من غير حمد، تعظيما لقدره (صلى اللّه عليه و سلم). و قد جاء «العاطس إن حمد اللّه تعالى فشمتوه، و إن لم يحمد فلا تشمتوه» و جاء «إذا عطس فحمد اللّه تعالى فحق على كل من سمعه أن يشمته» و في الصحيح «أن رجلا عطس عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و حمد اللّه فشمته. و عطس آخر فلم يحمد اللّه فلم يشمته» و في حديث حسن «إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإذا زاد على ثلاث فهو مزكوم فلا يشمت بعد ثلاث» و تمسك بذلك: أي بالأمر بالتشميت بصيغة افعل التي الأصل فيها الوجوب، و بقوله حتى أهل الظاهر على وجوب التشميت على كل من سمع.
و ذهب بعض الأئمة إلى وجوبه على الكفاية، و هو منقول عن مشهور مذهب مالك رضي اللّه تعالى عنه: أي و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ليس على إبليس أشد من تشميت العاطس.