السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٢ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
و أول من ضرب الدراهم في الإسلام الحجاج بأمر عبد الملك بن مروان، و كتب عليها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) [الإخلاص: الآية ١- ٢] أي على أحد وجهي الدراهم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] و على وجهه الثاني اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) [الإخلاص: الآية ٢].
و لم توجد الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبد الملك بن مروان، و كانت الدراهم قبل ذلك رومية و كسروية. و في زمن الخليفة المستنصر باللّه و هو السابع و الثلاثون من خلفاء بني العباس ضرب دراهم و سماها النقرة، و كانت كل عشرة بدينار، و ذلك في سنة أربع و عشرين و ستمائة.
و لما دخل سليمان بن عبد الملك المدينة سأل هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فقالوا: أبو حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه سأله فقال:
يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم أخربتم آخرتكم و عمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من عمران إلى خراب، فقال له: و كيف القدوم على اللّه؟ قال: أما المحسن فكغائب يقدم على أهله، و أما المسيء فكآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان و قال: يا ليت شعري، ما لنا عند اللّه؟ قال: اعرض عملك على كتاب اللّه تعالى، فقال: في أي مكان أجده؟ فقال: في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) [الانفطار: الآيتان ١٣ و ١٤] قال سليمان: فأين رحمة اللّه؟ قال:
قريب من المحسنين، قال: فأي عباد اللّه أكرم؟ قال: أولو المروءة.
و جاء أعرابي إلى سليمان بن عبد الملك هذا، فقال: يا أمير المؤمنين إني أكلمك بكلام فاحتمله، فإن وراءه إن قبلته ما تحب. فقال سليمان: هاته يا أعرابي، فقال الأعرابي: إني طلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق اللّه. إنه قد اكتنفك رجال قد أساءوا الاختيار لأنفسهم، و ابتاعوا دنياك بدينهم، و رضاك بسخط ربهم، و خافوك في اللّه، و لم يخافوا اللّه فيك، فهم حرب للآخرة و سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما استخلفك اللّه عليه، فإنهم لن يبالوا بالأمانة، و أنت مسئول عما اجترموا فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند اللّه عيبا من باع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أنت ما أنت بأعرابي، فقد سللت لسانك و هو سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك.
و لما حج بالناس قال لولد عمه و ولى عهده عمر بن عبد العزيز: أ لا ترى هذا الخلق، الذي لا يحصي عددهم إلا اللّه تعالى، و لا يسع رزقهم غيره؟ فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء رعيتك اليوم، و هم غدا خصماؤك عند اللّه، فبكى سليمان بكاء شديدا، ثم قال: باللّه أستعين، و قال يوما لعمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه حين أعجبه ما صار إليه من الملك: يا عمر كيف ترى ما نحن فيه؟ فقال: يا أمير