السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٨٦ - باب حضوره
لم يرم فيه بأسهم، بل قال: «كنت أنبل على أعمامي» أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموه.
و قد يقال: لا مخالفة، لأنه ليس في هذه العبارة أنه لم يرم، بل فيها أنه كان ينبل. و يجوز أن يكون أغلب أحواله (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك أي أنه كان ينبل: أي يرد النبل، فلا ينافي أنه رمى في بعض الأوقات بأسهم: أي و في كلام بعضهم: كان أبو طالب يحضر أيام الفجار: أي فجار البراض، و كانت أربعة أيام و معه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو غلام، فإذا جاء هزمت قيس، و لعل المراد قيس هوازن، فلا ينافي ما يأتي من الاقتصار على هوازن. و إذا لم يجئ هو أي في يوم من تلك الأيام هزمت كنانة، فقالوا: لا أبا لك لا تغب عنا ففعل، ذكره في الإمتاع. و ذكر فيه أنه (صلى اللّه عليه و سلم) طعن أبا براء ملاعب الأسنة في تلك الحروب: أي في بعض تلك الأيام، و أبو براء هذا كان رئيس بني قيس و حامل رايتهم في تلك الحرب، و الطعن ظاهر في الرمح محتمل للنبل. و ظاهر كلامهم أنه لم يقاتل فيه بغير الرمي للأسهم على تقدير صحة تلك الرواية بذلك. و لا يبعد أن يكون رمى و لم يصب أحدا، إذ لو أصاب أحدا لنقل لأنه مما توفر الدواعي على نقله إلا أن يقال بجواز أن يكون أصاب ثمرة لم تذكر فليتأمل. قال: و سميت الفجار، لأن العرب فجرت فيه لأنه وقع في الشهر الحرام ا ه.
أقول: ظاهره حروب الفجار الأربعة: أي التي هي فجار البراض و غيرها.
و ظاهر كلامهم (صلى اللّه عليه و سلم) أنه لم يحضر إلا في الفجار الرابع، الذي هو فجار البراض، ثم رأيت التصريح بذلك في الوفاء و سأذكره، و سيأتي في الباب الذي يلي هذا أن حرب الفجار لم يكن في شهر حرام، و سيأتي في هذا الباب ما يدل على ذلك.
أي أن القتال في ذلك لم يكن في الشهر الحرام و إنما سببه كان في الشهر الحرام و هو قتل البراض لعروة الرحال.
فقد قيل سبب القتال أن عروة الرحّال بتشديد الحاء المهملة، و كان من أهل هوازن أجار لطيمة للنعمان بن المنذر ملك الحيرة. و اللطيمة: العير التي تحمل الطيب و البز للتجارة: أي فإن المنذر كان يرسل تلك اللطيمة لتباع في سوق عكاظ و يشتري له بثمن ذلك أدم من أدم الطائف، و يرسل تلك اللطيمة في جوار رجل من أشراف العرب، فلما جهز اللطيمة كان عنده جماعة من العرب كان فيهم البرّاض و هو من بني كنانة، و عروة الرحال و هو من هوازن، فقال البراض: أنا أجيرها على بني كنانة يعني قومه، فقال له النعمان: ما أريد إلا من يجيرها على أهل نجد و تهامة، فقال له عروة الرحال: أنا أجيرها لك، فقال له البراض أ تجيرها على كنانة؟ فقال نعم و على أهل الشيح و القيصوم، و نال من البراض، فخرج عروة الرحال مسافرا و خرج