السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٢٧ - باب ذكر رضاعه
أن تقول: كان الظاهر الاقتصار على الأخوات، لأن أم حبيبة هي التي عرضت أختها و لم تعرض بنتها التي هي درة.
و قد يجاب بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) جعل خطاب أم حبيبة خطابا لجميع زوجاته (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن هذا الحكم لا يختص بواحدة دون أخرى ا ه.
أقول: فيه أن هذا واضح لو كان في زوجاته (صلى اللّه عليه و سلم) من عرض عليه بنته، إلا أن يقال المراد فلا تعرضن لا ينبغي لكن أن تعرضن، و ذلك لا يستلزم وقوع العرض بالفعل.
ثم رأيت الإمام النووي (رحمه اللّه) ذكر أن هذا من أم حبيبة: أي من عرض أختها محمول على أنها لم تكن تعلم تحريم الجمع بين الأختين عليه (صلى اللّه عليه و سلم). قال:
و كذا لم تعلم من عرض بنت أم سلمة تحريم الربيبة، هذا كلامه، و هو يقتضي أن بعض الناس عرض عليه بنت أم سلمة. و إذا كان من عرضها عليه إحدى نسائه اتجه قوله: «فلا تعرضن عليّ بناتكن» تأمل.
و بهذا الحديث استدل من قال: إنه لا يجوز له (صلى اللّه عليه و سلم) أن يجمع بين المرأة و أختها، و هو الراجح من وجهين.
و مقابله يقول: خص بجواز ذلك له، و لا يجمع بين المرأة و بنتها، خلافا لوجه حكاه الرافعي، و هذا الحديث و هو قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «لو لم أنكح أم سلمة لم تحل لي» يردّ هذا الوجه.
و عبارة الخصائص الصغرى: و له (صلى اللّه عليه و سلم) الجمع بين المرأة و أختها و عمتها و خالتها في أحد الوجهين، و بين المرأة و ابنتها في وجه حكاه الرافعي و تبعه في الروضة.
و جزموا بأنه غلط، و اللّه أعلم.
و مما يدل أيضا على أن عمه (صلى اللّه عليه و سلم) حمزة أخوه من الرضاعة ما جاء عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: «قلت: يا رسول اللّه ما لك لا تتوّق في قريش» أي بمثناتين فوق مفتوحتين ثم واو مشددة ثم قاف: أي لا تتشوق إليهم، مأخوذ من التوق الذي هو الشوق. و في رواية بالتاء و النون: أي لا تختار و لا تتزوج منهم.
قال: أو عندك؟ قلت نعم ابنة حمزة: أي عمه، و هي أمامة و هي أحسن فتاة في قريش، قال: «تلك ابنة أخي من الرضاعة» أي و هذا، من عليّ رضي اللّه تعالى عنه محمول على أنه لم يكن يعلم بتحريم بنت الأخ من الرضاعة عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، أو أنه لم يكن يعلم أن عمه حمزة أخ له (صلى اللّه عليه و سلم) من الرضاعة.
و فيه أنه جاء رواية «أ ليس قد علمت أنه أخي من الرضاعة، و أن اللّه قد حرم من الرضاعة ما حرم من النسب» إلا أن يراد بقوله: «قد علمت» أي أعلم. قال: