السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٢ - باب بدء الوحي له
و لازمك الناموس إما بشكله* * * و إما بنفث أو بحلية دحية
فليتأمل قيل و كان إذا أتاه على صورة الآدمي يأتيه بالوعد و البشارة.
فإن قيل إذا جاء جبريل (عليه السلام) على صورة الآدمي دحية أو غيره هل هي الروح تتشكل بذلك الشكل؟ و عليه هل يصير جسده الأصلي حيا من غير روح، أو يصير ميتا؟.
أجيب بأن الجائي يجوز أن لا يكون هو الروح بل الجسد لأنه يجوز أن اللّه تعالى جعل في الملائكة قدرة على التطور و التشكل بأي شكل أرادوه كالجن، فيكون الجسد واحدا، و من ثم قال الحافظ بن حجر: إن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. و الظاهر أن القدر الزائد لا يزول و لا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط.
و أخذ من ذلك بعض غلاة الشيعة أنه لا مانع و لا بعد أن الحق سبحانه و تعالى يظهر في صورة عليّ رضي اللّه تعالى عنه و أولاده: أي الأئمة الاثني عشر، و هم الحسن و الحسين و ابن الحسين زين العابدين و ابنه محمد الباقر و ابن محمد الباقر جعفر الصادق و ابن جعفر الصادق موسى الكاظم و ابن موسى الكاظم علي الرضا و ابن علي الرضا محمد الجواد و ابن محمد الجواد علي التقي. و الحادي عشر حسن العسكري. و الثاني عشر ولد حسن العسكري و هو المهدي صاحب الزمان، و هو حي باق إلى أن يجتمع بسيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام على ما فيه. فقد قال عبد اللّه ابن سبأ يوما لعلي رضي اللّه تعالى عنه: أنت أنت، يعني أنت الإله، فنفاه عليّ إلى المدائن و قال: لا تساكني في بلد أبدا. و كان عبد اللّه بن سبأ هذا يهوديا، كان من أهل صنعاء، و أمه يهودية سوداء، و من ثم كان يقال له ابن السوداء، و كان أوّل من أظهر سب الشيخين و نسبهما للافتيات على سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه.
و لما قيل لسيدنا علي لو لا أنك تضمر ما أعلن به هذا ما اجترأ على ذلك، فقال علي: معاذ اللّه أني أضمر لهما ذلك، لعن اللّه من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، فأرسل إلى ابن سبأ فأظهر الإسلام في أول خلافة عثمان، و قيل في أول خلافة عمر، و كان قصده بإظهار الإسلام بوار الإسلام و خذلان أهله.
و كان يقول قبل إظهاره الإسلام في يوشع بن نون بمثل ما قال في عليّ. و كان يقول في عليّ إنه حي لم يقتل، و إن فيه الجزء الإلهي، و إنه يجيء في السحاب، و الرعد صوته و البرق سوطه، و إنه ينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا و ظلما. و عبد اللّه هذا كان يظهر أمر الرجعة: أي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يرجع إلى الدنيا كما يرجع عيسى. و كان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع إلى الدنيا و يكذب