السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٥ - باب ذكر مولده
تروى لمولود أضاءت بنوره* * * جميع فجاج الأرض بالشرق و الغرب
الأبيات.
و إلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:
و توالت بشرى الهواتف أن قد* * * ولد المصطفى و حق الهناء
أي تتابعت بشارة الهواتف جمع هاتف، و هو ما يسمع صوته، و لا يرى شخصه، بأن قد ولد المصطفى المختار على الخلق كلهم، و ثبت لهم الفرح و السرور.
و ليلة ولادته (صلى اللّه عليه و سلم) تزلزلت الكعبة، و لم تسكن ثلاثة أيام و لياليهن و كان ذلك أول علامة رأت قريش من مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و ارتجس: أي اضطرب و انشق إيوان كسرى أنوشروان. و معنى أنوشروان: مجدد الملك: أي و كان بناء محكما مبنيا بالحجارة الكبار و الجص بحيث لا تعمل فيه الفؤوس؟ مكث في بنائه نيفا و عشرين سنة: أي و سمع لشقه صوت هائل، و سقط من ذلك الإيوان أربع عشرة شرفة بضم الشين المعجمة و سكون الراء، أي و ليس ذلك لخلل في بنائه، و إنما أراد اللّه تعالى أن يكون ذلك آية لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) باقية على وجه الأرض.
أي و قد ذكر أن الرشيد أمر وزيره يحيى بن خالد البرمكي: أي والد جعفر و الفضل بهدم إيوان كسرى، فقال له يحيى: لا تهدم بناء دل على فخامة شأن بانيه، قال: بلى يا مجوسي، ثم أمر بنقضه، فقدر له نفقة على هدمه، فاستكثرها الرشيد، فقال له يحيى ليس يحسن بك أن تعجز عن هدم شيء بناه غيرك.
هذا و الذي رأيته في بعض المجاميع أن المنصور لما بنى بغداد أحب أن ينقض إيوان كسرى. فإن بينه و بينها مرحلة و يا بني به، فاستشار خالد بن برمك، فنهاه و قال:
هو آية الإسلام و من رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزول أمره، و هو مصلى علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) و المئونة في نقضه أكثر من الإنفاق عليه، و لا مانع من تكرر طلب نقضه من المنصور و من ولد ولده الرشيد.
و إنما قال الرشيد ليحيى بن خالد يا مجوسي، لأن جده والد خالد البرمكي و هو برمك كان من خراسان، و كان أولا مجوسيا ثم أسلم، و كان كاتبا عارفا محصلا لعلوم كثيرة، جاء إلى الشام في دولة بني أمية، فاتصل بعبد الملك بن مروان، فحسن موقعه عنده و علا قدره. ثم لما أن زالت دولة بني أمية و جاءت دولة بني العباس صار وزيرا للسفاح، ثم لأخيه المنصور من بني العباس، و رأيت عن برمك هذا حكاية عجيبة، و هي أنه سار إلى زيارة ملك الهند، فأكرمه و أنس به و أحضر له طعاما و قال كل، فأكلت حتى انتهيت، فقال لي كل، فقلت لا أقدر و اللّه أيها الملك،