السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٣ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
قال ابن كثير: و ورد عن علي رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: أنا أول من أسلم، و لا يصح إسناد ذلك إليه. قال و قد روي في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر كثيرة منكرة كلها لا يصح شيء منها هذا كلامه. و على تقدير صحتها مراده أول من أسلم من الصبيان؟ فالأولية إضافية.
و مما يؤثر عن علي رضي اللّه تعالى عنه: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، و يؤخر التوبة لطول الأمل، يحب الصالحين و لا يعمل بأعمالهم. البشاشة فخ المودة، و الصبر قبر العيوب، و الغالب بالظلم مغلوب، العجب ممن يدعو و يستبطئ الإجابة و قد سد طرقها بالمعاصي.
و أول من أسلم من النساء بعد خديجة رضي اللّه تعالى عنها أم الفضل زوج العباس، و أسماء بنت أبي بكر، و أم جميل فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب.
و ينبغي أن تكون أم أيمن سابقة في الإسلام على أم الفضل على ما تقدم.
و قول السراج البلقيني موافقة للزين العراقي: إن أول رجل أسلم ورقة بن نوفل، لقوله للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنا أشهد أنك الذي بشر بك عيسى ابن مريم و أنك على مثل ناموس موسى، و أنك نبي مرسل قد علمت ما فيه، و أنه إنما كان من أهل الفترة كما صرح به الحافظ الذهبي، و هو يردّ القول المتقدم بأن وفاة ورقة تأخرت عن البعثة، فورقة و نحوه كبحيرا و نسطورا من أهل الفترة لا من أهل الإسلام. و يؤيده ما تقدم أنه بإجماع المسلمين لم يتقدم خديجة في الإسلام لا رجل و لا امرأة، لكن هؤلاء من القسم الذي تمسك بدين قبل نسخه و آمن و صدق بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) الرسول المنتظر، و ذلك نافع له في الآخرة. و من ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) لما توفي ورقة: «لقد رأيت القس- يعني ورقة- في الجنة و عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي و صدقني» إلى آخر ما تقدم.
و على تسليم أنه لا يشترط في المسلم: أن يؤمن و يصدق برسالته (صلى اللّه عليه و سلم) بعد وجودها، بل يكفي و لو قبل ذلك، فليس ورقة بصحابي لأن الصحابي من اجتمع بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعد الرسالة مؤمنا بما جاء به عن اللّه تعالى: أي محكوما بإيمانه.
و من ثم رد الحافظ الذهبي على ابن منده أي و من وافقه كالزين العراقي في عده له من الصحابة: أي كما عد منهم بحيرا و نسطورا بقوله: الأظهر أن من مات بعد النبوة و قبل الرسالة فهو من أهل الفترة هذا كلام الحافظ الذهبي. و المراد بالرسالة نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) [المدّثر: الآية ١] لا إظهارها، و نزول قوله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: الآية ٩٤] بناء على تأخر الرسالة عن النبوة.
و حين أسلم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه دعا إلى اللّه تعالى و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) من وثق به من قومه. فأسلم بدعائه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.