السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧ - باب تزويج عبد اللّه أبي النبي
لا ينقطع معروفه أبدا، و لا يحصيه غيره فرج عني.
و ذكر أن سبب ذبح إسحاق أي على القول بأنه الذبيح أن الخليل قال لسارة إن جاءني منك ولد فهو للّه ذبيح، فجاءت سارة بإسحاق، و كان بينه و بين ولادة هاجر لإسماعيل ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة، و إسحاق اسمه بالعبرانية الضحاك. و جاء في حديث راويه ضعيف «الذبيح إسحاق» و أن داود سأل ربه فقال أي ربي اجعلني مثل آبائي إبراهيم و إسحاق و يعقوب، فأوحى اللّه إليه إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، و ابتليت إسحاق بالذبح فصبر، و ابتليت يعقوب: أي بفقد ولده يوسف فصبر الحديث.
و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا [الصافات:
الآية ١١٢] قال بشر به نبيا حين فداه اللّه تعالى من الذبح، و لم تكن البشارة بالنبوة عند مولده: أي لما صبر الأب على ما أمر به و سلم الولد لأمر اللّه تعالى جعلت المجازاة على ذلك بإعطاء النبوة. قال الحافظ السيوطي: و جزم بهذا القول عياض في الشفاء، و البيهقي في التعريف و الإعلام، و كنت ملت إليه في علم التفسير، و أنا الآن متوقف عن ذلك أي كون إسحاق هو الذبيح، هذا كلامه. و قد تنبأ كل من إسماعيل و إسحاق و يعقوب في حياة إبراهيم عليهم الصلاة و السلام، فبعث اللّه إسماعيل لجرهم، و إسحاق إلى أرض الشام، و يعقوب إلى أرض كنعان. و لا ينافي ذلك أي كون إسحاق هو الذبيح تبسمه (صلى اللّه عليه و سلم) من قول القائل له يا ابن الذبيحين و لم ينكر عليه، لأن العرب كما تقدم تسمي العمّ أبا.
و في الهدى: إسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة و التابعين و من بعدهم. و أما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجها. و نقل عن الإمام ابن تيمية أن هذا القول متلقى من أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم الذي هو التوراة، فإن فيه أن اللّه أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره. و في لفظ وحيده، و قد حرفوا ذلك في التوراة التي بأيديهم اذبح ابنك إسحاق، أي و من ثم ذكر المعافى بن زكريا أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا أسلم من علماء اليهود أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين إن اليهود يعلمون أنه إسماعيل، و لكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم للفضل الذي ذكره اللّه تعالى عنه، فهم يجحدون ذلك و يزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم، ولي رسالة في ذلك سميتها «القول المليح في تعيين الذبيح» رجحت فيها القول بأن الذبيح إسماعيل جوابا عن سؤال رفعه إلي بعض الفضلاء.
و على أن الذبيح إسماعيل فمحل الذبح بمنى. و على أنه إسحاق فمحله معروف بالأرض المقدسة على ميلين من بيت المقدس.
و في كلام ابن القيم تأييد كون الذبيح إسماعيل لا إسحاق، و لو كان الذبيح