السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٦٢ - باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة و إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه
بذلك، و انتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة، فظنوا صحة ذلك، فقال المهاجرون بها:
من بقي بمكة: إذا أسلم هؤلاء عشائرنا أحب إلينا فخرجوا: أي خرج جماعة منهم من أرض الحبشة راجعين إلى مكة: أي و كانوا ثلاثة و ثلاثين رجلا، منهم عثمان بن عفان، و الزبير بن العوام و عثمان بن مظعون، و ذلك في شوال، حتى إذا كانوا دون مكة ساعة من نهار لقوا ركبا فسألوهم عن قريش، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم عاد لشتم آلهتهم و عادوا له بالشر، و تركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل ننظر ما فيه قريش و يحدث عهدا من أراد بأهله ثم نرجع فدخلوا مكة؛ أي بعضهم بجوار و بعضهم مستخفيا.
قال في الإمتاع: و يقال إن رجوع من كان مهاجرا بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب، هذا كلامه. و فيه نظر ظاهر، و يرشد إليه التبري لأنهم مكثوا في الشعب ثلاث سنين أو سنتين، و مكث هؤلاء عند النجاشي حينئذ كان دون ثلاثة أشهر كما علمت. و أيضا الهجرة الثانية للحبشة إنما كانت بعد دخول الشعب كما سيأتي.
قال في الأصل: و لم يدخل أحد منهم إلا بجوار إلا ابن مسعود؛ فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة.
أي و هذا من صاحب الأصل تصريح بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى، و هو موافق في ذلك لشيخه الحافظ الدمياطي، لكن الحافظ الدمياطي جزم بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى و لم يحك خلافا، و صاحب الأصل حكى خلافا أنه لم يكن فيها، و به جزم ابن إسحاق حيث قال: إن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، فكان ينبغي للأصل أن يقول على ما تقدم.
هذا، و في كلام بعضهم: فلم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيا، و كلهم دخلوا مكة إلا عبد اللّه بن مسعود فإنه رجع إلى أرض الحبشة.
و قد يقال: لما لم يطل مكث ابن مسعود بمكة ظن به أنه لم يدخلها، فلا ينافي ما سبق. و يجوز أن يكون أكثرهم دخل مكة بلا جوار فأطلقوا على الكل أنهم دخلوا مستخفين، فلا يخالف ما سبق أيضا، و لما رجعوا لقوا من المشركين أشد ما عهدوا.
قال: و ممن دخل بجوار: عثمان بن مظعون، دخل في جوار الوليد بن المغيرة، و لما رأى ما يفعل بالمسلمين من الأذى قال: و اللّه إن غدويّ و رواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك و أصحابي و أهل ديني يلقون من الأذى في اللّه ما لا