السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٥ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
قال: و من ذلك ما حدّث به سعيد بن جبير رضي اللّه تعالى عنه أن رجلا من بني تميم حدث عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج ذات ليلة، إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي، و أنختها و نمت و تعوذت قبل نومي، فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي عن الجن، فرأيت في منامي رجلا بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعا فنظرت يمينا و شمالا فلم أر شيئا، فقلت: هذا حلم، ثم عدت فتعوذت، فرأيت مثل ذلك و إذا بناقتي ترعد. ثم غفوت، فرأيت مثل ذلك، فانتبهت، فرأيت ناقتي تضطرب، فالتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في منامي بيده حربة و رجل شيخ يمسك بيده يرده عن ناقتي، و بينهما نزاع.
فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإنسي، فقام الفتى و أخذ منها ثورا و انصرف، ثم التفت إلى الشيخ و قال: يا فتى إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله، فقل: أعوذ باللّه رب محمد من هول هذا الوادي، و لا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها، فقلت له: و من محمد؟ قال: نبي عربي لا شرقي و لا غربي، فقلت: أين مسكنه؟ قال:
يثرب ذات النخل، فركبت ناقتي، و حثثت السير حتى أتيت المدينة، فرأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فحدثني قبل أن أذكر له منه شيئا، و دعاني إلى الإسلام فأسلمت، و هذا السياق يدل على أن هذه القصة بعد الهجرة لا عند المبعث الذي الكلام فيه.
و نظير هذا ما حدث به بعض الصحابة قال: خرجت في طلب إبل لي و كنا إذا نزلنا بواد قلنا نعوذ بعزيز هذا الوادي، فتوسدت ناقتي، و قلت: أعوذ بعزيز هذا الوادي فإذا هاتف يهتف بي و يقول:
ويحك عذ باللّه ذي الجلال* * * منزل الحرام و الحلال
و وحد اللّه و لا تبال* * * ما كيد ذي الجن من الأهوال
إذ يذكر اللّه على الأحوال* * * و في سهول الأرض و الجبال
و صار كيد الجن في سفال* * * إلا النبي و صالح الأعمال
فقلت له:
يا أيها القائل ما تقول* * * أرشد عندك أم تضليل
فقال:
هذا رسول اللّه ذو الخيرات* * * جاء بيس و حاميمات
و سور بعد مفصلات* * * يأمر بالصلاة و الزكاة
و يزجر الأقوام عن هنات* * * قد كنّ في الإسلام منكرات