السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٤٢ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
حبست كذلك لنبينا (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم، و كذا القمر حبس لموسى عليه الصلاة و السلام عن الطلوع له. فعن عروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه قال: إن اللّه تعالى حين أمر موسى عليه الصلاة و السلام بالمسير ببني إسرائيل إلى بيت المقدس، أمره أن يحمل معه عظام يوسف عليه الصلاة و السلام، و أن لا يخلفها بأرض مصر و أن يسير بها حتى يضعها بالأرض المقدسة، أي وفاء بما أوصى به يوسف عليه الصلاة و السلام.
فقد ذكر أن يوسف عليه الصلاة و السلام لما أدركته الوفاة، أوصى أن يحمل إلى مقابر آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك، فسأل موسى عليه الصلاة و السلام عمن يعرف موضع قبر يوسف، فما وجد أحدا يعرفه إلا عجوزا من بني إسرائيل، فقالت له: يا نبي اللّه أنا أعرف مكانه و أدلك عليه إن أنت أخرجتني معك و لم تخلفني بأرض مصر، قال أفعل، و في لفظ: إنها قالت أكون معك في الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له أعطها طلبتها فأعطاها.
و قد كان موسى عليه الصلاة و السلام وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف عليه الصلاة و السلام، ففعل فخرجت به العجوز حتى أرته أيلة في ناحية من النيل، و في لفظ في مستنقعة ماء أي و تلك المستنقعة في ناحية من النيل، فقالت لهم أنضبوا عنها الماء: أي ارفعوه عنها ففعلوا، قالت: احفروا فحفروا و أخرجوه. و في لفظ: أنها انتهت به إلى عمود على شاطئ النيل، أي في ناحية منه فلا يخالفه ما سبق في أصله سكة من حديد فيها سلسلة؛ أي و يجوز أن يكون حفرهم الواقع في تلك الرواية كان على إظهار تلك السكة فلا مخالفة، و وجدوه في صندوق من حديد وسط النيل في الماء، فاستخرجه موسى عليه الصلاة و السلام، و هو في صندوق من مرمر أي داخل ذلك الصندوق الذي من الحديد فاحتمله.
و في أنس الجليل: أن موسى عليه الصلاة و السلام جاءه شيخ له ثلاثمائة سنة، فقال له يا نبي اللّه ما يعرف قبر يوسف إلا والدتي، فقال له موسى: قم معي إلى والدتك فقام الرجل و دخل منزله و أتى بقفة فيها والدته فقال لها موسى: أ لك علم بقبر يوسف؟ فقالت: نعم و لا أدلك على قبره إلا إذا دعوت اللّه تعالى أن يرد عليّ شبابي إلى سبع عشرة سنة و يزيد في عمري مثل ما مضى فدعا موسى لها، و قال لها كم عمرك؟ قالت له تسعمائة سنة فعاشت ألفا و ثمانمائة سنة، فأرته قبر يوسف و كان في وسط نيل مصر ليمر النيل عليه فيصل إلى جميع مصر فيكونون شركاء في بركته.
و أما عود الشمس بعد غروبها، فقد وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) في خيبر، فعن أسماء بنت عميس أنها قالت: «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوحى إليه و رأسه في حجر عليّ، و لم يسر عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، حتى غربت الشمس و عليّ لم يصل العصر أي فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):