السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥ - باب نسبه الشريف
و يدرعها بيده، فكانت قريش بعد موت قصي يتبعون ما كان عليه في حياته كالدين المتبع، و لا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار إلى أن صارت إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم، فلامه عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما و قال أ تبيع مكرمة آبائك و شرفهم؟ فقال حكيم رضي اللّه عنه: ذهبت المكارم إلا التقوى، و اللّه لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، و قد بعتها بمائة ألف، و أشهدكم أن ثمنها في سبيل اللّه تعالى فأينا المغبون؟
قيل و قصي: هو جماع قريش، فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي، و نسب هذا القول لبعض الرافضة، و هو قول باطل، لأنه توصل به إلى أن لا يكون سيدنا أبو بكر و سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنهما من قريش فلا حق لهما في الإمامة العظمى التي هي الخلافة، لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «الأئمة من قريش» و لقوله (صلى اللّه عليه و سلم) لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه» لأنهما لم يلتقيا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلا فيما بعد قصي، لأن أبا بكر رضي اللّه عنه يجتمع معه في مرة كما سيأتي، لأن تيم بن مرة بينه و بين أبي بكر رضي اللّه عنه خمسة آباء، و عمر رضي اللّه عنه يجتمع معه في كعب كما سيأتي، و بين عمر رضي اللّه عنه و كعب سبعة آباء و قصي (بن كلاب) أي و اسمه حكيم، و قيل عروة، و لقب بكلاب لأنه كان يحب الصيد و أكثر صيده كان بالكلاب، و هو الجد الثالث لآمنة أمه (صلى اللّه عليه و سلم)، ففي كلاب يجتمع نسب أبيه و أمه (ابن مرة) و هو الجد السادس لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و الإمام مالك رضي اللّه تعالى عنه يجتمع معه (صلى اللّه عليه و سلم) في هذا الجد الذي هو مرة أيضا (ابن كعب) أي و هو الجد الثامن لعمر رضي اللّه تعالى عنه، و كان كعب يجمع قومه يوم العروبة: أي يوم الرحمة الذي هو يوم الجمعة، و يقال إنه أول من سماء يوم الجمعة لاجتماع قريش فيه إليه، لكن في الحديث كان أهل الجاهلية يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، و اسمه عند اللّه تعالى يوم الجمعة. قال ابن دحية: و لم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام، و سيأتي في ذلك كلام فكانت قريش تجتمع إلى كعب ثم يعظهم و يذكرهم بمبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و يعلمهم بأنه من ولده، و يأمرهم باتباعه، و يقول: سيأتي لحرمكم نبأ عظيم، و سيخرج منه نبي كريم، و ينشد أبياتا آخرها:
على غفلة يأتي النبي محمد* * * فيخبر أخبارا صدوق خبيرها
و ينشد أيضا:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته* * * حين العشيرة تبغي الحق خذلان
و كان بينه و بين مبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسمائة سنة و ستون سنة. و في الامتناع: و عشرون سنة، لأن الحق أن الخمسمائة و الستين إنما هي بين موت كعب و الفيل الذي هو