السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٣ - باب عرض قريش عليه
تسمى كبشة فكان زوجها الذي هو أبوه من الرضاعة يكنى بتلك البنت كما تقدم في الرضاع.
و قد روي عنه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «حدثني حاضني أبو كبشة أنهم لما أرادوا دفن سلول و كان سيدا عظيما حفروا له فوقعوا على باب مغلق ففتحوه، فإذا سرير و عليه رجل و عليه حلل عدة و عند رأسه كتاب: أنا أبو شهر ذو النون مأوى المساكين، و مستفاد الغارمين، أخذني الموت غصبا، و قد أعيي الجبابرة» قيل: قال (صلى اللّه عليه و سلم) «كان ذو النون هذا هو سيف بن ذي يزن الحميري» و قيل أبو كبشة جده (صلى اللّه عليه و سلم) لأبيه، لأن أبا أم جده عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، و كان يعبد النجم الذي يقال له الشعرى، و ترك عبادة الأصنام مخالفة لقريش، فهم يشيرون بذلك إلى أن له في مخالفته سلفا.
و قيل الذي عبد الشعرى و ترك عبادة الأصنام رجل من خزاعة، فشبهوه (صلى اللّه عليه و سلم) به في مخالفته لهم في عبادة الأصنام: أي و مما قد يؤيد هذا الأخير ما في الإتقان حيث مثل بهذه الآية للنوع المسمى بالتنكيت، و هو أن يخص المتكلم شيئا من بين الأشياء بالذكر لأجل نكتة كقوله تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) [النّجم: الآية ٤٩] خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم و هو سبحانه و تعالى رب كل شيء، لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة، عبد الشعرى و دعا خلقا إلى عبادتها، فأنزل اللّه تعالى وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) [النّجم: الآية ٤٩] التي ادعيت فيها الربوبية هذا كلامه.
و كبشة ليس مؤنث كبش، لأن مؤنث الكبش ليس من لفظه، فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان سحر القمر أي بالنسبة إليكم فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها: أي جميع أهل الأرض. و في رواية «لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر، هل رأوا هذا؟ فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك». و في رواية «أن أبا جهل قال هذا سحر، فاسألوا أهل الآفاق» و في لفظ «انظروا ما يأتيكم به السفار حتى تنظروا هل رأوا ذلك أم لا، فأخبروا أهل الآفاق» و في لفظ «فجاء السفار و قد قدموا من كل وجه فأخبروهم أنهم رأوه منشقا، فعند ذلك قالوا هذا سحر مستمر» أي مطرد، فهو إشارة إلى ذلك و إلى ما قبله من الآيات. و في لفظ «قالوا هذا سحر، أسحر السحرة، فأنزل اللّه تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) [القمر: الآية ١- ٢] أي مطرد كما تقدم، أو محكم أو قوي شديد، أو مارّ ذاهب لا يبقى، و هذا الكلام كما لا يخفى يدل على أنه لم يختص برؤية القمر منشقا أهل مكة، بل جميع أهل الآفاق. و به يرد قول بعض الملاحدة: لو وقع انشقاق القمر لاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، و لم يختص بها أهل مكة. و لا يحسن الجواب عنه بأنه طلبه جماعة خاصة، فاختصت رؤيته بمن اقترح وقوعه، و لا بأنه قد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض، و لا