السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣١ - باب عرض قريش عليه
(٦) [الكافرون: الآية ٦] نسخ بآية القتال، و بقوله تعالى: أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [الزّمر: الآية ٦٤] بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) [الزمر: الآية ٦٦]. و لما قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن اللّه أنزل لما كرهتموه القرآن، قالوا ائت بقرآن غير هذا، فأنزل اللّه تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا [الحاقّة: الآية ٤٤] الآيات.
و قد يقال: المناسب للرد عليهم قوله تعالى قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي [يونس: الآية ١٥] الآية، ثم رأيت في الكشاف ما يوافق ذلك. و هو لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأصنام و الوعيد الشديد قالوا ائت بقرآن آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك، أو بدله بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، و تسقط ذكر الآلهة و ذم عبادتها، نزل قوله تعالى قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ [يونس: الآية ١٥] الآية.
قال «و جلس أي (صلى اللّه عليه و سلم) مجلسا فيه ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام و عتبة بني ربيعة، أي و شيبة بن ربيعة و أمية بن خلف و الوليد بن المغيرة، فقال لهم:
أ ليس حسنا ما جئت به؟ فيقولون بلى و اللّه» و في لفظ «هل ترون بما أقول بأسا؟
فيقولون لا، فجاء عبد اللّه ابن أم مكتوم- و هو ابن خال خديجة أم المؤمنين، و هو ممن أسلم بمكة قديما- و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مشتغل بأولئك القوم و قد رأى منهم مؤانسة و طمع في إسلامهم، فصار يقول: يا رسول اللّه علمني مما علمك اللّه و أكثر عليه، فشق عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك، فأعرض عن ابن أم مكتوم و لم يكلمه» انتهى.
أي و في رواية «أشار (صلى اللّه عليه و سلم) إلى قائد ابن أم مكتوم بأن يكفه عنه حتى يفرغ من كلامه، فكفه القائد، فدفعه ابن أم مكتوم، فعبس (صلى اللّه عليه و سلم) و أعرض عنه مقبلا على من كان يكلمه، فعاتبه اللّه تعالى في ذلك بقوله: عَبَسَ وَ تَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَ ما يُدْرِيكَ [عبس: الآية ١- ٣] السورة» أي و المجيء مع العمى ينشأ عن مزيد الرغبة و تجشم الكلفة و المشقة في المجيء، و من كان هذا شأنه فحقه الإقبال عليه لا الإعراض عنه «فكان بعد ذلك إذا جاءه يقول مرحبا بمن عاتبني فيه ربي و يبسط له رداءه» قال: و بهذا يسقط ما للقاضي أبي بكر بن العربي هنا انتهى.
أقول: لعل الذي له هو ما ذكره تلميذه السهيلي، و هو أن ابن أم مكتوم لم يكن أسلم حينئذ، و إلا لم يسمه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان لو كان دخل في الإيمان قبل ذلك، و إنما دخل فيه بعد نزول الآية، و يدل على ذلك قوله للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) استدنني يا محمد، و لم يقل استدنني يا رسول اللّه، و لعل في قوله تعالى: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: الآية ٣]، ما يعطى الترجي و الانتظار، و لو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي و الانتظار للتزكي، هذا كلامه.
و عن الشعبي قال: دخل رجل على عائشة رضي اللّه تعالى عنها و عندها ابن أم مكتوم و هي تقطع له الأترج و تجعله في العسل و تطعمه، فقيل لها في ذلك، فقالت: