السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٠٥ - باب ذكر خروج النبي
اللّه تعالى عنهما اجتماع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالجن أي بأحد منهم.
ففي الصحيحين عنه قال «ما قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على الجن و لا رآهم، انطلق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ- أي و كان بين الطائف و نخلة، كان لثقيف و قيس عيلان» كما تقدم «و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء، و أرسلت عليهم الشهب، ففزعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟
قالوا: قد حيل بيننا و بين خبر السماء، و أرسلت علينا الشهب، قالوا: و ما ذاك إلا من شيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها، فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة، فإذا هم بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، و قالوا هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا- يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد- فأنزل اللّه تعالى على نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ [الجن: ١] أي قل أخبرت بالوحي من اللّه تعالى أنه استمع لقراءتي نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ [الجن: ١] أي جن نصيبين».
أقول: تقدم أن إطلاق الفجر على الركعتين اللتين كان يصليهما قبل طلوع الشمس سائغ، فإن ذلك باعتبار الزمان لا لكونهما إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، و قوله بأصحابه يجوز أن تكون الباء بمعنى مع، و يجوز أن يكون صلى بهم إماما، لأن الجماعة في ذلك جائزة.
و لا يخفى أن هذه القصة التي تضمنتها رواية ابن عباس غير قصة انصرافه (صلى اللّه عليه و سلم) من الطائف، يدل لذلك قوله «انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ» لأنه في تلك القصة التي هي قصة الطائف كان وحده أو معه مولاه زيد بن حارثة على ما تقدم، و كان مجيئه (صلى اللّه عليه و سلم) من الطائف قاصدا مكة. و في هذه كان ذهابه من مكة قاصدا سوق عكاظ، و أنه قرأ في تلك أي مجيئه من الطائف سورة الجن، و في هذه قرأ غيرها ثم نزلت تلك السورة، و أن هذه القصة تضمنتها رواية ابن عباس سابقة على تلك، لأن قصة ابن عباس كانت في ابتداء الوحي، لأن الحيلولة بين الجن و بين خبر السماء بالشهب كانت في ذلك الوقت، و تلك كانت بعد ذلك بسنين عديدة.
و سياق كل من القصتين يدل على أنه لم يجتمع الجن به (صلى اللّه عليه و سلم) و لا قرأ عليهم، و إنما استمعوا قراءته من غير أن يشعر بهم. و قد صرح به ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في هذه، و صرح به الحافظ الدمياطي في تلك حيث قال في سيرته «فلما انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الطائف راجعا إلى مكة و نزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا له (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يقرأ سورة الجن، و لم يشعر بهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى نزل عليه وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: الآية ٢٩] هذا كلامه، و نزول ما ذكره كان بعد انصرافهم.