السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١١ - باب ذكر مولده
و عند موت سطيح نهض عبد المسيح إلى راحلته و هو يقول شعرا منه:
شمر فإنك ماضي العزم شمير* * * و لا يغرنك تفريق و تغيير
و الناس أولاد علات فمن علموا* * * أن قد أقل فمحقور و مهجور
و هم بنو الأم أما إن رأوا نشبا* * * فذاك بالغيب محفوظ و منصور
و الخير و الشر مقرونان في قرن* * * فالخير متبع و الشر محذور
فلما قدم عبد المسيح على كسرى و أخبره بما قاله سطيح، قال له كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور و أمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، و ملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي اللّه عنه: أي فقد ذكر أن آخر من هلك منهم كان في أول خلافة عثمان رضي اللّه عنه.
أي و كانت مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة و مائة سنة و أربعا و ستين سنة.
و من ملوك بني ساسان سابور ذو الأكتاف، قيل له ذلك، لأنه كان يخلع أكتاف من ظفر به من العرب. و لما جاء لمنازل بني تميم وجدهم فروا منه و من جيشه، و وجد بها عمير بن تميم و هو ابن ثلاثمائة سنة، و كان معلقا في قفة لعدم قدرته على الجلوس، فأخذ و جيء به إليه، فاستنطقه فوجد عنده أدبا و معرفة، فقال للملك: أيها الملك لم تفعل فعلك هذا بالعرب؟ فقال: يزعمون أن ملكنا يصير إليهم على يد نبي يبعث في آخر الزمان فقال له عمير: فأين حلم الملوك و عقلهم؟ إن يكن هذا الأمر باطلا فلن يضرك، و إن يكن حقا ألفوك و لم تتخذ عندهم يدا يكافئونك عليها و يعظمونك بها في دولتك، فانصرف سابور و ترك تعرضه للعرب، و أحسن إليهم بعد ذلك.
و قول سطيح يملك منهم ملوك و ملكات، لم أقف على أنه ملك منهم من النساء إلا واحدة و هي بوران و لما بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك قال: «لا يفلح قوم ملكتهم امرأة» فملكت سنة ثم هلكت.
و ذكر ابن إسحاق (رحمه اللّه) أن أمه (صلى اللّه عليه و سلم) لما ولدته أرسلت خلف جده عبد المطلب إنه قد ولد لك غلام فانظر إليه، فأتاه و نظر إليه و حدثته بما رأته، فأخذه عبد المطلب و دخل به الكعبة: أي و قام يدعو اللّه: أي و أهله يؤمنون و يشكر له ما أعطاه.
ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، و قد تقدم الوعد بذلك و تقدم ما فيه.
قال و تكلم (صلى اللّه عليه و سلم) في المهد في أوائل ولادته. و أول كلام تكلم به أن قال: اللّه أكبر كبيرا، و الحمد للّه كثيرا ا ه.
أقول: و تقدم أنه قال حين ولد: جلال ربي الرفيع، كما أورده السهيلي عن