السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٨ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
قريظة، و هم ثعلبة بن سعية و أسد بن سعية، و يقال أسيد بالتصغير و أسد بن عبيد و كانوا شبانا أحداثا، يا بني قريظة و اللّه إنه لهو بصفته، فنزلوا و أسلموا فأحرزوا دماءهم و أموالهم و أهليهم كما سيأتي.
قال: و من ذلك خبر العباس بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه قال:
خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب فيه أبو سفيان بن حرب، فورد كتاب حنظلة بن أبي سفيان: إن محمدا قائم في أبطح مكة يقول: أنا رسول اللّه أدعوكم إلى اللّه، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن فجاءنا حبر من اليهود فقال: بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال. قال العباس: فقلت نعم، قال نشدتك اللّه هل كان لابن أخيك صبوة؟ قلت: لا و اللّه و لا كذب و لا خان، و ما كان اسمه عند قريش إلا الأمين. قال: هل كتب بيده؟ فأردت أن أقول نعم، فخشيت من أبي سفيان أن يكذبني و يرد عليّ، فقلت: لا يكتب، فوثب الحبر و ترك رداءه و قال: ذبحت يهود و قتلت يهود، قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن يهود تفزع من ابن أخيك فقلت: قد رأيت لعلك أن تؤمن به، قال: لا أومن به حتى أرى الخيل في كداء: أي بالمد. قلت ما تقول: قال كلمة جاءت على فمي، إلا أني أعلم أن اللّه لا يترك خيلا تطلع على كداء، قال العباس: فلما فتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة و نظر أبو سفيان إلى الخيل قد طلعت من كداء. قلت: يا أبا سفيان تذكر تلك الكلمة قال: إي و اللّه إني لأذكرها انتهى.
أي و من ذلك ما جاء عن أمية بن أبي الصلت الثقفي قال لأبي سفيان: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا فكنت أظن أني هو، و كنت أتحدث بذلك، ثم ظهري لي أنه من بني عبد مناف، فنظرت فلم أجد فيهم من هو متصف بأخلاقه إلا عتبة بن ربيعة، إلا أنه قد جاوز الأربعين و لم يوح إليه، فعرفت أنه غيره.
قال أبو سفيان: فلما بعث محمد (صلى اللّه عليه و سلم) قلت لأمية، فقال أمية: أما إنه حق فاتبعه.
فقلت له: فأنت ما يمنعك قال: الحياء من نساء ثقيف، إني كنت أخبرهن أني هو، ثم أصير تبعا لفتى من بني عبد مناف، و سيأتي ذلك بأبسط مما هنا.
و أما أخبار الرهبان من النصارى، فمنها ما تقدم ذكره. قال: و منها خبر طلحة بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه قال: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم هل فيكم أحد من أهل الحرم؟ فقلت نعم أنا، قال هل ظهر أحمد؟ قلت: و من أحمد؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، أي الذي يبعث فيه، و هو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، و مهاجره إلى نخلة و حرة و سباخ، فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة، فوقع في قلبي ما قال الراهب، فلما قدمت مكة حدثت أبا بكر بذلك، فخرج أبو بكر حتى دخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)