السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧٠ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
و وقع نظير ذلك لجبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه، و أنه رأى صورة أبي بكر آخذه بعقب تلك الصورة، و إذا صورة عمر آخذة بعقب صورة أبي بكر، فقال: من ذا الذي آخذ بعقبه؟ قلنا نعم هو ابن أبي قحافة، قال: فهل تعرف الذي آخذ بعقبه؟
قلت نعم هو عمر بن الخطاب. قال: أشهد أن هذا رسول اللّه، و أن هذا هو الخليفة بعده، و أن هذا هو الخليفة من بعد هذا.
و منها ما حدّث به سلمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جيّ بفتح الجيم و تشديد الياء: أي و في لفظ: من قرية من قرى الأهواز يقال لها رامهرمز، و في لفظ: ولدت برامهرمز و بها نشأت، و أما أبي فمن أصبهان، و كان أبي دهقان قريته: أي كبير أهل قريته: أي و في لفظ:
كنت من أبناء أساوة فارس، و كنت أحب خلق اللّه تعالى إلى أبي، لم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيت كما تحبس الجارية، و اجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار بفتح القاف و كسر الطاء المهملة و يروى بفتحها بمعنى قاطن: أي خادمها الذي يوقدها، لا يتركها تخبأ: أي تطفأ ساعة. و كانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال لي: يا بنيّ إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم، فاذهب إليها و أمرني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لي: و لا تحتبس عني، إن احتبست عني كنت أهمّ إليّ من ضيعتي، و شغلتني عن كل شيء من أمري، فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها و هم يصلون، و كنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما ذا يصنعون؟ فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم و رغبت في أمرهم، و قلت: و اللّه هذا خير من الذي نحن عليه، فو اللّه ما برحتهم حتى غربت الشمس و تركت ضيعة أبي فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أهل هذا الدين؟ قالوا بالشام، فرجعت إلى أبي و قد بعث في طلبي و شغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بنيّ أين كنت؟ أ لم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبت مررت بالناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فو اللّه ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بنيّ ليس في ذلك الدين خير، دينك و دين آبائك خير منه، فقلت له: كلا، و اللّه إنه لخير من ديننا، قال: فخافني أي خاف مني أن أهرب، فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته، و بعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم، فقدم عليهم تجار من النصارى فأخبروني، فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم و أرادوا الرجعة فأخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي، ثم قدمت معهم إلى الشام، فلما قدمتها قلت من أجلّ هذا الدين علما؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، و الأسقف بتخفيف الفاء و تشديدها: هو عالم النصارى و رئيسهم في الدين، فجئته فقلت له: إني