السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٩ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم، فقال: يا إبراهيم هذا الركن فجاء فحفر عنه فجعله في البيت» و قيل تمحض أبو قبيس فانشق عنه.
أقول: و في لفظ قال: «يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من يواقيت الجنة» و من ثم كان أبو قبيس يسمى في الجاهلية الأمين لحفظه ما استودع، و يسمى أبا قبيس باسم رجل من جرهم اسمه قبيس هلك فيه. و قيل باسم رجل من مذحج بنى فيه يقال له أبو قبيس. و قيل لأنه اقتبس منه الحجر الأسود فسمي بذلك، و يحتاج إلى الجمع بين ما ذكر على تقدير صحته، و ما ذكر في ترجمة إلياس أحد أجداده (صلى اللّه عليه و سلم) أنه أول من وضع الركن: أي الحجر الأسود حين غرق البيت و انهدم زمن نوح، فكان أول من سقط عليه: أي أول من علم به، فوضعه في زاوية البيت فليتأمل ذلك، و اللّه أعلم: أي و عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال عند المقام: أشهد باللّه يكررها لسمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «الركن و المقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس اللّه نورهما، و لو لا أن نورهما طمس لأضاء ما بين المشرق و المغرب» أي من نورهما، و لعل طمس نور الحجر كان سببه ما تقدم فلا مخالفة.
و جاء «إنهما يقفان يوم القيامة و هما في العظم مثل أبي قبيس، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء» و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «لو لا ما مسهما من أهل الشرك، ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه تعالى».
و عن جعفر الصادق رضي اللّه تعالى عنه: لما خلق اللّه الخلق، قال لبني آدم:
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: الآية ١٧٢] فكتب القلم إقرارهم، ثم ألقم ذلك الكتاب الحجر، فهذا الاستلام له إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به. قال رضي اللّه تعالى عنه: و كان أبي عليّ يقول: إذا استلم الحجر يقول: اللهم أمانتي أديتها، و ميثاقي وفيت به ليشهد لي عندك بالوفاء. و في كلام السهيلي «إن العهد الذي أخذه اللّه تعالى على ذرية آدم حين مسح ظهره أن لا يشركوا به شيئا كتبه في صك و ألقمه الحجر الأسود، و لذلك يقول المستلم اللهم إيمانا بك، و وفاء بعدك» و قد جاء «الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض».
قال الإمام ابن فورك: و كان ذلك سببا لاشتغالي بعلم الكلام، فإني لما سمعت ذلك سألت فقيها كنت أختلف إليه عن معناه فلم يحر جوابا، فقيل لي: سل عن ذلك فلانا من المتكلمين، فسألته فأجاب بجواب شاف، فقلت لا بد لي من معرفة هذا العلم، فاشتغلت به، و هذا الذي قاله السهيلي يروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.
فعن سيدنا عمر رضي اللّه عنه «أنه لما دخل المطاف قام عند الحجر و قال: