السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٥ - باب ذكر مولده
و عن سالم بن عبيد اللّه الأشجعي و كان من أهل الصفة قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا عطس أحدكم فليحمد اللّه عز و جل، و ليقل من عنده يرحمك اللّه، و ليردّ عليه بقوله: يغفر اللّه لي و لكم».
و من لطيف ما اتفق أن الخليفة المنصور و شي عنده ببعض عماله، فلما حضر عنده عطس المنصور فلم يشمته ذلك العامل، فقال له المنصور: ما منعك من التشميت؟ فقال: إنك لم تحمد اللّه، فقال: حمدت في نفسي، فقال: قد شمتك في نفسي، فقال له: ارجع إلى عملك فإنك إذا لم تحابني لا تحابي غيري.
قال بعضهم: و الحكمة في قول العاطس ما ذكر أنه ربما كان العطاس سببا لالتواء عنقه فيحمد اللّه على معافاته من ذلك. و قال غيره: لأن الأذى و هي الأبخرة المحتقنة تندفع به عن الدماغ الذي فيه قوة التذكر و التفكر: أي فهو بحران الرأس، كما أن العرق بحران بدن المريض، و ذلك نعمة جليلة، و فائدة عظيمة، ينبغي أن يحمد اللّه تعالى عليها: أي و لأن الأطباء كما زعمه بعضهم نصوا على أن العطاس من أنواع الصرع، أعاذنا اللّه تعالى من الصرع. و قد ينازع فيه ما تقدم، و ما ذكره بعض الأطباء أن العطاس للدماغ كالسعال للرئة.
قال: و العطاس أنفع الأشياء لتخفيف الرأس، و هو مما يعين على نقص المواد المحتبسة و يسكن ثقل الرأس فيحصل منه النشاط و الخفة.
و في نوادر الأصول للترمذي قال (صلى اللّه عليه و سلم) «هذا جبريل يخبركم عن اللّه تعالى: ما من مؤمن يعطس ثلاث عطسات متواليات إلا كان الإيمان في قلبه ثابتا».
و في الجامع الصغير «إن اللّه تعالى يحب العطاس، و يكره التثاؤب» و العطسة الشديدة من الشيطان. و في الحديث «العطاس شاهد عدل» و في حديث حسن «أصدق الحديث ما عطس عنده».
و قد جاء أن روح آدم (عليه السلام) لما نزلت إلى خياشيمه عطس، فلما نزلت إلى فمه و لسانه قال اللّه تعالى له قل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [الفاتحة: الآية ٢] فقالها آدم (عليه السلام)، فقال الحق يرحمك اللّه يا آدم، و لذلك خلقتك» و في رواية «و للرحمة خلقتك» أي للموت.
و قد روى الترمذي مرفوعا بسند ضعيف «العطاس و النعاس و التثاؤب في الصلاة من الشيطان» و روى ابن أبي شيبة موقوفا بسند ضعيف أيضا «إن اللّه يكره التثاؤب، و يحب العطاس في الصلاة» أي فمع كون كل واحد من العطاس و التثاؤب في الصلاة من الشيطان العطاس فيها أحب إلى اللّه تعالى من التثاؤب فيها، و التثاؤب فيها أكره إلى اللّه تعالى من العطاس فيها، لأن الكراهة مقولة بالتشكيك.