السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٢٢ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
عندي أن جبريل لم يركب مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) البراق ليلة الإسراء لأنه المخصوص بشرف الإسراء، هذا كلامه فليتأمل، و اللّه أعلم.
قال (صلى اللّه عليه و سلم) «ثم انتهيت إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي بالباب» أي باب المسجد «التي كانت الأنبياء عليهم الصلاة و السلام توثق» أي تربط «بها» أي تربطه بها على ما تقدم عن رواية البيهقي. و في رواية «أن جبريل خرق بإصبعه الحجر» أي الذي هو الصخرة. و في كلام بعضهم: فأدخل جبريل يده في الصخرة فخرقها و شدّ به البراق.
أقول: لا منافاة، لجواز أن يكون المراد وسع الخرق بإصبعه أو فتحه لعروض انسداده، و أن هذا الخرق هو المراد بالحلقة التي في الباب، لأن الصخرة بالباب و قيل لهذا الخرق حلقة لاستدارته.
و في الإمتاع: و عادت صخرة بيت المقدس كهيئة العجين، فربط دابته فيها و الناس يلتمسون ذلك الموضع إلى اليوم هذا كلامه.
و جمع بعضهم بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) ربطه بالحلقة خارج باب المسجد الذي هو مكان الأنبياء عليهم الصلاة و السلام تأدبا، فأخذه جبريل فربطه في زاوية المسجد في الحجر الذي هو الصخرة التي خرقها بإصبعه، و جعله داخلا عن باب المسجد، فكأنه يقول له:
إنك لست ممن يكون مركوبه على الباب بل يكون داخلا.
و في حديث أبي سفيان قبل إسلامه لقيصر، أنه قال لقيصر يحط من قدره (صلى اللّه عليه و سلم) «أ لا أخبرك أيها الملك عنه خبرا تعلم منه أنه يكذب؟ قال: و ما هو؟ قال: إنه يزعم أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فجاء مسجدكم هذا و رجع إلينا في ليلة واحدة، فقال: بطريق: أنا أعرف تلك الليلة، فقال له قيصر: ما علمك بها؟ قال: إني كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد: أي و هو الباب الفلاني غلبني فاستعنت عليه بعمالي و من يحضرني فلم نقدر، فقالوا: إن البناء نزل عليه فاتركوه إلى غد حتى يأتي بعض النجارين فيصلحه فتركته مفتوحا، فلما أصبحت غدوت فإذا الحجر الذي من زاوية الباب مثقوب، أي زيادة على ما كان عليه على ما تقدم، و إذا فيه أثر مربط الدابة أي التي هي البراق: أي و لم أجد بالباب ما يمنعه من الإغلاق، فعلمت أنه إنما امتنع لأجل ما كنت أجده في العلم القديم أن نبيا يصعد من بيت المقدس إلى السماء، و عند ذلك قلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا هذا الأمر، و سيأتي ذلك عند الكلام على كتابه (صلى اللّه عليه و سلم) لقيصر. و لا يخفى أن المراد بالصخرة الحجر الذي بالباب لا الصخرة المعروفة كما هو المتبادر من بعض الروايات، و هي «فأتى جبريل الصخرة التي في بيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها فشدّ بها البراق» لأن الذي في بابه