السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٣ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
فيها بحورا. و به يرد قول بعضهم: خلق السماء قبل الأرض، و الظلمة قبل النور، و الجنة قبل النار فليتأمل.
و قد جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في قوله تعالى: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ [الطّلاق: الآية ١٢] قال: سبع أرضين، و في كل أرض نبي كنبيكم، و آدم كآدمكم، و نوح كنوحكم، و إبراهيم كإبراهيمكم، و عيسى كعيساكم، رواه الحاكم في المستدرك و قال صحيح الإسناد. و قال البيهقي: إسناده صحيح لكنه شاذ بالمرة: أي لأنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن، فقد يكون فيه مع صحة إسناده ما يمنع صحته فهو ضعيف.
قال الحافظ السيوطي: و يمكن أن يؤول على أن المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر.
و لا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه هذا كلامه: أي و حينئذ كان لنبينا (صلى اللّه عليه و سلم) رسول من الجن اسمه كاسمه، و لعل المراد اسمه المشهور و هو محمد فليتأمل.
و لما خاطب اللّه السموات و الأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصّلت: الآية ١١] كان المجيب من الأرض موضع الكعبة، و من السماء ما حاذاها، الذي هو محل البيت المعمور.
و عن كعب الأحبار رضي اللّه عنه: لما أراد اللّه تعالى أن يخلق محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض و بهاؤها و نورها، فقبض قبضة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من موضع قبره الشريف، و هي بيضاء منيرة لها شعاع عظيم.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: أصل طينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من سرة الأرض بمكة. قال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا تلك الطينة: أي و قد ذكر الشيخ أبو العباس المرسي (رحمه اللّه تعالى) «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال يوما لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه: أ تعرف يوم يوم؟ فقال أبو بكر نعم و الذي بعثك بالحق نبيا، يا رسول اللّه سألتني عن يوم المقادير، يعني يوم- أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: الآية ١٧٢]- و لقد سمعتك تقول حينئذ: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه» و قد سئل الشيخ علي الخواص نفعنا اللّه تعالى ببركاته لم لم تتكلم الأنبياء بلسان الباطن الذي تكلم به الصوفية.
فأجاب بأنه إنما لم تتكلم الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) بذلك لأجل عموم خطابهم للأمة، و لا يعتبر بالأصالة إلا فهم العامة دون فهم الخاصة إلا بعض تلويحات، و منه قوله (صلى اللّه عليه و سلم) للصديق رضي اللّه تعالى عنه: «أ تعرف يوم يوم؟ فقال نعم يا رسول اللّه» الحديث، و تلك الطينة لما تموّج الماء رمى بها من مكة إلى محل تربته (صلى اللّه عليه و سلم) و مدفنه بالمدينة.