السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٦٣ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
قال «و إذا فيها» في تلك الشجرة «عين» أي في أصلها أيضا «يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران أحدهما الكوثر، و الآخر يقال له نهر الرحمة، فاغتسلت منه فغفر لي ما تقدم من ذنبي و ما تأخر» انتهى: أي فهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى، لكن لا من المحل الذي يخرج من النيل و الفرات، و حينئذ يحسن القول بأنه يخرج من أصل تلك الشجرة أربعة أنهار نهران ظاهران و نهران باطنان. و في جعل الكوثر قسما من السلسبيل يخالفه جعله قسيما كما تقدم عن مقاتل، فالباطنان الكوثر و نهر الرحمة؛ فالأنهار التي تخرج من أصل سدرة المنتهى أربعة بناء على أن سيحان و جيحان لا يخرجان منها أو ستة بناء على أنهما يخرجان منها.
و على الأول لا ينافي قول القرطبي: ما في الجنة نهر إلا و يخرج من أصل سدرة المنتهى لأن المراد إما خروجه بنفسه أو أصله الذي يتفرع منه بناء على ما تقدم من أن سيحان و جيحان يتفرعان عن النيل و الفرات.
و لا ينافي ما عند مسلم «يخرج من أصلها يعني سدرة المنتهى أربعة أنهار من الجنة، و هي: النيل و الفرات و سيحان و جيحان» و لا ما عند الطبراني «سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار: من ماء غير آسن، و من لبن لم يتغير طعمه، و من خمر لذة للشاربين و من عسل مصفى» و عن كعب الأحبار: إن نهر العسل نهر النيل، أي و يدل لذلك قول بعضهم: لو لا دخول بحر النيل في البحر الملح الذي يقال له البحر الأخضر قبل أن يصل إلى بحيرة الزنج و يختلط بملوحته لما قدر أحد على شربه لشدة حلاوته. و نهر اللبن نهر جيحان، و نهر الخمر نهر الفرات، و نهر الماء نهر سيحان، لأن غاية ذلك سكوتهما عن النهرين الآخرين و هما الكوثر و نهر الرحمة. و معنى كونها تخرج من أصل سدرة المنتهى من الجنة أنه يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة و الأنهار تخرج من أصلها، فصح أنها من الجنة، هكذا ذكره العارف ابن أبي جمرة، و لم أقف على ما يدل على ثبوت هذا الاحتمال: أي أن سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، و لا حاجة لهذا الاحتمال في تصحيح هذه الرواية، لأن المعنى أن تلك الأنهار تخرج من أصل تلك الشجرة، ثم تكون خارجة من الجنة؛ ثم لا يخفى أن في كلام القاضي عياض أن سيحان يقال فيه سيحون و جيحان يقال فيه جيحون.
و يخالفه قول صاحب النهاية: اتفقوا كلهم على أن جيحون غير جيحان، و سيحون غير سيحان، و من ثم أنكر الإمام النووي على القاضي عياض حيث قال:
الثاني أي من وجوه الإنكار على القاضي قوله سيحان و جيحان و يقال سيحون و جيحون، فجعل الأسماء مترادفة، و ليس كذلك، فسيحان و جيحان غير سيحون و جيحون هذا كلامه.