السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٦ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
من أهل الحرم أحد؟ فقلت: نعم أنا، قال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: و من أحمد؟
قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، و هو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، و مهاجره إلى أرض ذات نخل و سباخ، فإياك أن تسبق إليه، قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد اللّه الأمين يدعو إلى اللّه، و قد تبعه ابن أبي قحافة، فخرجت حتى دخلت على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فأخبرته بما قال الراهب، فخرج أبو بكر حتى دخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره بذلك، فسر بذلك و أسلم طلحة.
و طلحة هذا هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، و قد شاركه رجل آخر في اسمه و اسم أبيه و نسبه، و هو طلحة بن عبيد اللّه التيمي، و هو الذي نزل فيه قوله تعالى:
وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ [الأحزاب: الآية ٥٣] الآية، لأنه قال لئن مات محمد رسول اللّه لأتزوجن عائشة. و في لفظ يتزوّج محمد بنات عمنا و يحجبهنّ عنا، لئن مات لأتزوجن عائشة من بعده، فنزلت الآية.
قال الحافظ السيوطي: و قد كنت في وقفة شديدة من صحة هذا الخبر، لأن طلحة أحد العشرة أجلّ مقاما من أن يصدر عنه ذلك، حتى رأيت أنه رجل آخر شاركه في اسمه و اسم أبيه و نسبه هذا كلامه.
و الحاصل أن أبا بكر أسلم على يده خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، و هم:
عثمان و طلحة بن عبيد اللّه، و يقال له طلحة الفياض، و طلحة الجود، و الزبير، و سعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و زاد بعضهم سادسا، و هو أبو عبيدة ابن الجراح و كان كل من أبي بكر و عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و طلحة بزازا، و كان الزبير جزارا، و كان سعد بن أبي وقاص يصنع النبل، و اللّه أعلم، ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال و النساء.
و ذكر في الأصل جماعة من السابقين للإسلام منهم عبد اللّه بن مسعود و أن سبب إسلامه ما حدث به، قال: «كنت في غنم لآل عقبة بن أبي معيط، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه أبو بكر بن أبي قحافة، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): هل عندك لبن؟ فقلت نعم و لكني مؤتمن، قال: هل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قلت نعم فأتيته بشاة شصوص لا ضرع لها فمسح النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مكان الضرع فإذا ضرع حافل مملوء لبنا» كذا في الأصل. و في الصحاح كما في النهاية الشصوص التي ذهب لبنها، و حينئذ يكون قول الأصل لا ضرع لها، أي لا لبن لها، و يدل لذلك قول ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين «فمسح ضرعها» و قول ابن مسعود فمسح مكان الضرع، أي محل اللبن «فأتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بصخرة منقورة فاحتلب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فسقى أبا بكر و سقاني، ثم