السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢١ - باب استخفائه
قال: أ تشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد عليّ ذلك إن استطعت.
أي و في لفظ: أن حمزة لما قام على رأس أبي جهل بالقوس صار أبو جهل يتضرع إليه و يقول: سفه عقولنا و سب آلهتنا، و خالف آباءنا قال و من سفه منكم؟
تعبدون الحجارة من دون اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه، فقامت رجال من بني مخزوم: أي من عشيرة أبي جهل إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك إلا قد صبأت، فقال حمزة: و ما يمنعني و قد استبان لي منه، أنا أشهد أنه رسول اللّه و أن الذي يقوله حق، و اللّه لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين.
فقال لهم أبو جهل: دعوا أبا عمارة: أي و يكنى أيضا بأبي يعلى اسم ولد له أيضا فإني و اللّه لقد أسمعت ابن أخيه شيئا قبيحا، و تم حمزة على إسلامه: أي استمر، أي بعد أن وسوس له الشيطان، فقال لنفسه لما رجع إلى بيته أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابي و تركت دين آبائك؟ الموت خير لك مما صنعت، ثم قال: اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي و إلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة، ثم لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح، فغدا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال:
يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، و إقامة مثلي على ما لا أدري أرشد هو أم غيّ شديد فأقبل عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فذكره و وعظه و خوفه و بشره، فألقى اللّه تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: أشهد أنك لصادق، فأظهر يا ابن أخي دينك.
و قد قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: إن هذه الواقعة سبب لنزول قوله تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام: الآية ١٢٢] يعني حمزة كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: الآية ١٢٢] يعني أبا جهل، و سر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بإسلام حمزة سرورا كبيرا لأنه كان أعز فتى في قريش و أشدهم شكيمة: أي أعظمهم في عزة النفس و شهامتها، و من ثمّ لما عرفت قريش أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد عزّ كفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أقبلوا على بعض أصحابه بالأذية سيما المستضعفين منهم الذين لا جوار لهم: أي لا ناصر لهم، فإن كل قبيلة غدت على من أسلم منها تعذبه و تفتنه عن دينه بالحبس و الضرب، و الجوع و العطش، و غير ذلك: أي حتى أن الواحد منهم ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي به، و كان أبو جهل يحرضهم على ذلك، و كان إذا سمع بأن رجلا أسلم و له شرف و منعة جاء إليه و وبخه و قال له: ليغلبن رأيك و ليضعفن شرفك، و إن كان تاجرا قال: و اللّه لتكسدنّ تجارتك و يهلك مالك، و إن كان ضعيفا أغرى به حتى أن منهم من فتن عن دينه و رجع إلى الشرك، كالحارث بن ربيعة بن الأسود، و أبي قيس بن الوليد بن المغيرة، و علي بن أمية بن خلف و العاص بن منبه بن الحجاج، و كل هؤلاء قتلوا على كفرهم يوم بدر.