السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٦ - باب عرض قريش عليه
بلادنا، و ليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام و العراق، و ليبعث لنا من مضى من آبائنا، و ليكن فيمن بعث لنا قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل. قال: زاد في رواية: فإن صدقوك و صنعت ما سألناك صدقناك و عرفنا منزلتك من اللّه تعالى، و أنه بعثك إلينا رسولا كما تقول، فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
ما بهذا بعثت لكم، إنما جئتكم من اللّه بما بعثني به» ا ه.
ثم قالوا له: «و اسأل ربك يبعث معك ملكا يصدقك فيما تقول و يراجعنا عنك» أي و في لفظ «قالوا له لم لا ينزل علينا الملائكة، فتخبرنا بأن اللّه أرسلك أو نرى ربنا فيخبرنا بأنه أرسلك فنؤمن حينئذ بك. و قال آخر: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا باللّه و الملائكة قبيلا، و اسأله أن يجعل لك جنانا و قصورا و كنوزا من ذهب و فضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، و تلتمس المعاش كما نلتمسه» أي فلا بد أن تتميز عنا حتى نعرف فضلك و منزلتك من ربك إن كنت رسولا: أي و في لفظ «قالوا إن محمدا يأكل الطعام كما نحن نأكل، و يمشي في الأسواق، و يلتمس المعاش كما نلتمس نحن، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة. فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
ما أنا بالذي يسأل ربه هذا و أنزل اللّه تعالى وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: الآية ٧] و لما قالوا اللّه أعظم أن يكون رسوله بشرا منا أنزل اللّه تعالى أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [يونس: الآية ٢] ثم قالوا: و أسقط السماء علينا كسفا: أي قطعا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، و قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، و إنا و اللّه لن نؤمن بالرحمن أبدا: أي و قد عنوا بالرحمن مسيلمة، و قيل عنوا كاهنا كان لليهود باليمامة، و قد رد اللّه تعالى عليهم بأن الرحمن المعلم له هو اللّه تعالى بقوله قُلْ هُوَ [البقرة: الآية ٢٢٢] أي الرحمن رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتابِ [الرّعد: الآية ٣٠] أي توبتي و رجوعي و عند ذلك قام (صلى اللّه عليه و سلم) حزينا آسفا على ما فاته من هدايتهم التي طمع فيها، و قال له عبد اللّه ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب قبل أن يسلم رضي اللّه تعالى عنه: يا محمد قد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبل، ثم سألوك أمورا ليعرفوا بها منزلتك من اللّه كما تقول و يصدقوك و يتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، و اللّه لن نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه و أنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك: أي كتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، و ايم اللّه إنك لو فعلت ذلك، ما ظننت أني أصدقك، فأنزل اللّه تعالى عليه الآيات التي فيها شرح هذه المقالات في سورة الإسراء، و فيها الإشارة إلى أنه تعالى خيره بين أن يعطيه جميع ما سألوا، و أنهم إن كفروا بعد ذلك استأصلهم بالعذاب كالأمم السابقة، و بين أن يفتح لهم باب الرحمة و التوبة لعلهم يتوبون و إليه راجعون، فاختار الثاني، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) يعلم من كثير منهم العناد، و أنهم لا يؤمنون، و إن حصل ما سألوا فيستأصلوا بالعذاب،