السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٢ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
دخل على أمه أسماء رضي اللّه تعالى عنها و استشارها فقالت: يا بني عش كريما و مت كريما و لا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك، فامتنع و صار يبايع الناس سرا، ثم أظهر المبايعة، فاجتمع عليه أهل الحجاز و لحق به من انهزم من وقعة الحرة، فلما جاء الجيش إلى مكة حاصر عبد اللّه و ضرب بالمنجنيق، نصبه على أبي قبيس قيل و على الأقمر و هما أخشبا بمكة فأصاب الكعبة من ناره ما حرق ثيابها و سقفها فإن الكعبة كانت في زمن قريش مبنية، مدماك من خشب الساج، و مدماك من حجارة كما تقدم.
و ذكر في الشرف أن اللّه تعالى بعث عليهم صاعقة بعد العصر، فأحرقت المنجنيق، و أحرقت تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام، ثم عملوا منجنيقا آخر فنصبوه على أبي قبيس.
و يذكر أن النار لما أصابت الكعبة أتت بحيث يسمع أنينها كأنين المريض آه آه، و هذا من أعلام نبوته (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد جاء إنذاره (صلى اللّه عليه و سلم) بتحريق الكعبة فعن ميمونة رضي اللّه تعالى عنها زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «كيف أنتم إذا مرج الدين، فظهرت الرغبة و الرهبة، و حرق البيت العتيق» و في العرائس: إن أول يوم تكلم الناس في القدر ذلك اليوم، فقيل إحراق الكعبة من قدر اللّه، و قيل ليس من قدر اللّه، و المتكلم بذلك حينئذ قيل أبو معبد الجهني، و قيل أبو الأسود الدؤلي، و قيل غير ذلك.
و قوله أول يوم تكلم الناس في القدر، لعل المراد أول يوم اشتهر و استفيض فيه الكلام من الناس في القدر، فلا يخالف ما حكي أن شخصا قال لعلي رضي اللّه تعالى عنه و هو بصفين: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا؟ أ كان بقضاء اللّه و قدره؟ فقال: نعم و الذي خلق الحبة و برأ النسمة، ما وطئنا موطئا، و لا قطعنا واديا، و لا علونا شرفا إلا بقضائه و قدره.
و التكلم في القدر ليس من خصائص هذه الأمة، فقد تكلمت فيه الأمم قبلها، و في الحديث «ما بعث اللّه نبيا إلا في أمته قدرية يشوشون عليه أمر أمته، ألا و إن اللّه تعالى قد لعن القدرية على لسان سبعين نبيا» و قد جاء في ذم القدرية زيادة على ما تقدم منها «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، و إن ماتوا فلا تشهدوهم» و جاء «اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية» و جاء «أخاف على أمتي التكذيب بالقدر».
و إنما كانت القدرية مجوس هذه الأمة، لأن طائفة من القدرية تقول يأتي الخير من اللّه و الشر من العبد، و هؤلاء الطائفة أشبه بالمجوس القائلين بالأصلين النور و الظلمة و أن الخير من النور و الشر من الظلمة و هم المانوية، و إنما كان القدر شعبة