السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٢ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
و في رواية «أنا أول من يفتح له باب الجنة و لا فخر فآتي فآخذ بحلقة الجنة، فيقال من هذا؟ فأقول محمد، فيفتح لي، فيستقبلني الجبار جل جلاله فأخر له ساجدا» أي فالكلام في يوم القيامة، فلا يرد إدريس بناء على أن دخوله الجنة مترتب على فتح الباب غالبا، لأن ذلك قبل يوم القيامة، و في يوم القيامة يخرج إلى الموقف، فيكون مع أمته للحساب. و لا ينافيه ما جاء «أول من يقرع باب الجنة بلال ابن حمامة» على تقدير صحته، لأنه يجوز أن يكون يقرع الباب الأصليّ لا حلقه، أو الأول من الأمة و اللّه أعلم.
و في الأوسط للطبراني بإسناد حسن «حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها، و حرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» و سيأتي أن هذا من جملة ما أوحي إليه ليلة المعراج، الذي أشار إليه قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) [النّجم: الآية ١٠] و لعل هذا هو المراد مما جاء في المرفوع عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «حرمت الجنة على جميع الأمم حتى أدخلها أنا و أمتي» و أن ظاهرها من أنه لا يدخلها أحد من الأنبياء إلا بعد دخول هذه الأمة ليس مرادا.
و في هاتين الروايتين منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية، و هي أنه لا يدخل أحد الجنة من الأمم السابقة و لو من صلحائها و علمائها و زهادها حتى يدخل من كان يعذب في النار من عصاة هذه الأمة بناء على أنه لا بد من تعذيب طائفة من هذه الأمة في النار. و لا بعد في ذلك، لأنه تقدم أن أول من يحاسب من الأمم، هذه الأمة. فيجوز أن الأمم لا يفرغ حسابهم، و لا يأتون إلى باب الجنة إلا و قد خرج من كان يعذب من هذه الأمة في النار و دخل الجنة.
و جاء «إنه يدخلها قبله من أمته سبعون ألفا مع كل واحد سبعون ألفا لا حساب عليهم» و ذلك معارض لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «أنا أول من يدخل الجنة» إلا أن يقال: أول من يدخل الجنة من الباب، و هؤلاء السبعون ألفا ورد أنهم يدخلون من أعلى حائط الجنة فلا معارضة.
و لا يعارض ذلك ما جاء «أول من يدخل الجنة أبو بكر» لأن المراد أول من يدخلها من رجال هذه الأمة غير الموالي.
و لا يعارض ذلك ما تقدم عن بلال رضي اللّه تعالى عنه «أنه أول من يقرع باب الجنة» لأنه لا يلزم من القرع الدخول و على تسليم أن القرع كناية عن الدخول، فالمراد من الموالي.
و لا يعارض ذلك أيضا ما جاء «أول من يدخل الجنة بنتي فاطمة» كما لا يخفى، لأن المراد أول من يدخلها من نساء هذه الأمة فالأولية إضافية.