السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٠ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
و دعوى الإجماع منازع فيها، فهي دعوى غير مسموعة، ثم رأيت الجلال السيوطي ذكر هذا الاستدلال و هو واضح، و ذكر تسعة أدلة أيضا، و هي لا تثبت المدعي الذي هو أن الملائكة يكلفون بشرعه (صلى اللّه عليه و سلم)، كما لا يخفى على من رزق نوع فهم بالوقوف عليها.
فعلم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) مرسل لجميع الأنبياء و أممهم على تقدير وجوده في زمنهم، لأن اللّه تعالى أخذ عليهم و على أممهم الميثاق على الإيمان به و نصرته مع بقائهم على نبوتهم و رسالتهم إلى أممهم، فنبوته و رسالته أعم و أشمل، و تكون شريعته في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، لأن الأحكام و الشرائع تختلف باختلاف الأشخاص و الأوقات قاله السبكي: أي فجميع الأنبياء و أممهم من جملة أمته (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد قال (صلى اللّه عليه و سلم) لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: «و الذي نفسي بيده لو أن موسى عليه الصلاة و السلام كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني».
و أخرج أحمد و غيره عن عبد اللّه بن ثابت، قال: «جاء عمر رضي اللّه تعالى عنه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة أ لا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال عمر: رضينا باللّه ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) رسولا، فسرّى عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال:
و الذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم، «إنكم حظي من الأمم و أنا حظكم من النبيين».
و في النهر لأبي حيان «إن عبد اللّه بن سلام استأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يقيم على السبت، و أن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل فلم يأذن له» و كون جميع الأنبياء و أممهم من أمته (صلى اللّه عليه و سلم)، فالمراد أمة الدعوة لا أمة الإجابة لأنها مخصوصة بمن آمن به بعد البعثة على ما تقدم و يأتي. و بعثته (صلى اللّه عليه و سلم) رحمة حتى للكفار بتأخير العذاب عنهم، و لم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة، و حتى للملائكة، قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: الآية ١٠٧].
و قد ذكر في الشفاء أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لجبريل: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة، فآمنت لثناء اللّه تعالى عليّ في القرآن بقوله عز و جل: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) [التكوير: الآية ٢٠]».
قال الجلال السيوطي: إن هذا الحديث لم نقف له على إسناد، فهو (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل من سائر المرسلين و جميع الملائكة المقربين، و في لفظ آخر «فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلي: غفر لي ما تقدم من ذنبي و ما تأخر، و أحلت لي الغنائم، و جعلت أمتي خير الأمم، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و أعطيت الكوثر، و نصرت بالرعب، و الذي نفسي بيده إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه» و في رواية «فما من أحد إلا و هو تحت لوائي يوم القيامة