السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٨ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
خصوص أمته: و أما من قيل له فيه ليس ذلك لك فهم الموحدون من الأمم السابقة فليتأمل مع ما سبق من شفاعة الأنبياء و الملائكة و المؤمنين. و الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها. و جوّز النووي اختصاصها به (صلى اللّه عليه و سلم). و الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض الكفار كأبي طالب و أبي لهب في كل يوم اثنين بالنسبة لأبي لهب، و الشفاعة لمن مات بالمدينة الشريفة، و لعل المراد أنه لا يحاسب.
و قد أوصل ابن القيم شفاعاته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أكثر من عشرين شفاعة. و في رواية «أعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب، و أعطيت مفاتيح الأرض» أي و في لفظ «و بينا أنا نائم رأيتني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض، فوضعت بين يديّ» و لا منافاة، لأنه يجوز أنه أعطى ذلك يقظة بعد أن أعطيه مناما «و سميت أحمد» أي و محمدا أي لأن أحدا من الأنبياء لم يسمّ بذلك، فهو من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) بالنسبة للأنبياء، كذا في الخصائص الصغرى، و تقدم أن التسمية بأحمد من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) على جميع الناس: و في وصفه (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه بما ذكر، و قول عيسى عليه الصلاة و السلام إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: الآية ٣٠] الآية، و قول سليمان عليه الصلاة و السلام عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النّمل: الآية ١٦] الآية هو الأصل في ذكر العلماء مناقبهم في كتبهم، و هذا مأخوذ من قوله تعالى: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضّحى: الآية ١١] و من قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «التحدث بنعمة اللّه شكر، و تركه كفر» قال اللّه تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: الآية ٧].
صعد سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه المنبر فقال: الحمد للّه الذي صيرني ليس فوقي أحد ثم نزل، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما فعلت ذلك إظهارا للشكر.
و عن سفيان الثوري (رحمه اللّه): من لم يتحدث بنعمة اللّه فقد عرّضها للزوال.
و الحق في ذلك التفصيل، و هو أن من خاف من التحدث بالنعمة و إظهارها الرياء، فعدم التحدث بها و عدم إظهارها أولى، و من لم يخف ذلك فالتحدث بها و إظهارها أولى أي و في الشفاء أنه أحمد المحمودين، و أحمد الحامدين، و يوم القيامة يحمده الأولون و الآخرون لشفاعته لهم، فحقيق أن يسمى محمدا و أحمد، و تقدم أن هذا يوافق ما تقدم عن الهدى أن أحمد مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول.
و قد جاء «أنا محمد، و أنا أحمد، و أنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر، و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، و جعلت أمتي خير الأمم».
قال القاضي البيضاوي، و في التسمية بالأسماء العربية تنويه إلى تعظيم المسمى، هذا كلامه. و في رواية «لما أسري بي إلى السماء قرّبني ربي حتى كان بيني و بينه كقاب قوسين أو أدنى، قيل لي: قد جعلت أمتك آخر الأمم لأفضح الأمم