السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٧ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
العيد: الأقرب أن اللام فيها للعهد، و المراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف: أي و هذا هو المقام المحمود الذي يحمده و يغبطه فيه الأولون و الآخرون، المعني بقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: الآية ٧٩].
و عن حذيفة رضي اللّه تعالى عنه «تجمع الناس في صعيد واحد، فأول مدعو محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فيقول: لبيك و سعديك، و الشر ليس إليك، و المهدي من هديت، و عبدك بين يديك، و لك و إليك لا ملجأ و لا منجي منك إلا إليك، تباركت و تعاليت، سبحانك رب البيت».
و قد هاجت فتنة كبيرة ببغداد بسبب هذه الآية، أعني عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) [الإسراء: الآية ٧٩] فقالت الحنابلة: معناه يجلسه اللّه تعالى على عرشه. و قال غيرهم: بل هي الشفاعة العظمى في فصل القضاء، فدام الخصام إلى أن اقتتلوا فقتل كثيرون.
و هذه الشفاعة إحدى الشفاعات الثلاث المعنية بقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «لي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن».
و في كلام بعضهم: له (صلى اللّه عليه و سلم) تسع شفاعات أخر غير فصل القضاء، جرى في اختصاصه ببعضها خلاف، و هي: الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب و لا عقاب. قال النووي و جماعة: هي مختصة به (صلى اللّه عليه و سلم)، و الشفاعة في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها. قال القاضي عياض و غيره: و يشترك فيها من يشاء اللّه تعالى. و الشفاعة في إخراج من أدخل النار من الموحدين و في قلبه مثقال ذرة من إيمان و هي مختصة به (صلى اللّه عليه و سلم). و الشفاعة في إخراج من أدخل منهم النار و في قلبه أزيد من ذرة من إيمان، و يشاركه فيها الأنبياء و الملائكة و المؤمنون. و ظاهر هذا السياق أن المراد بمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلى آخره عام في أمته و غيرهم من الأمم.
و هو يخالف قول بعضهم: جاء في الصحيح «فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا اللّه. أي و مات على ذلك- قال: ليس ذلك لك و لكن و عزتي و كبريائي و عظمتي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا اللّه».
و لا يشكل على ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي» و في رواية «ثلثي أمتي الجنة» أي بلا حساب و لا عذاب «و بين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، و هي لمن مات لا يشرك باللّه شيئا، فاخترت الشفاعة و علمت أنها أوسع لهم».
لأنا نقول: المراد بالذين تناله شفاعته (صلى اللّه عليه و سلم) ممن مات لا يشرك باللّه شيئا