السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٠ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
فيه» الحديث، لكن في «سفر السعادة» الحديث المنسوب إلى أبي هريرة أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:
«يأمر اللّه تعالى جبريل كل غداة أن يدخل بحر النور ينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق اللّه عز و جل من كل قطرة منها ملكا» لهذا الحديث طرق كثيرة و لم يصح منها شيء؟ و لم يثبت في هذا المعنى حديث هذا لفظه، و اللّه أعلم.
و عند ذلك قال آدم للملائكة: «فما كنتم تقولون حوله؟ قالوا: كنا نقول:
سبحان اللّه و الحمد للّه، و لا إله إلا اللّه، و اللّه أكبر. قال آدم: زيدوا فيها: و لا حول و لا قوة إلا باللّه فكان آدم إذا طاف يقولها، و كان طوافه سبعة أسابيع بالليل و خمسة أسابيع بالنهار: أي و لما فرغ من الطواف صلى ركعتين تجاه باب الكعبة، ثم أتى الملتزم أي محله فقال: اللهم إنك تعلم سريرتي و علانيتي فاقبل معذرتي، و تعلم ما في نفسي و ما عندي فاغفر لي ذنبي، و تعلم حاجتي فأعطني سؤلي» الحديث.
أقول: قول الملائكة قد طفنا بهذا البيت لا يحسن أن يعنوا به تلك الخيمة المذكورة المعنية بقوله تعالى لآدم: قد أهبطت بيتا إلى آخر ما تقدم، أو كونها أهبطت مع آدم، بل المراد محل ذلك البيت الذي هو الخيمة قبل أن تنزل.
و يجوز أن يكون المراد تلك الخيمة أو نفس تلك الخيمة، بناء على أنها البيت المعمور، و أن الملائكة طافوا بها قبل نزولها إلى الأرض كما تقدم. قال: و عن وهب ابن منبه: قرأت في كتاب من كتب الأول: ليس من ملك بعثه اللّه إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعا بالبيت، و يصلي في جوفه ركعتين، ثم يصعد.
أقول: يجوز أن يكون المراد بإحرامه بنية الطواف بالبيت لا إحرامه بالعمرة بدليل قولة «ثم يطوف سبعا بالبيت» إلى آخره.
و يجوز أن يكون المراد بالبيت في كلام وهب محل تلك الخيمة ما يعم من وجد من الملائكة و بمن بعث بعد ذلك. و لا يخفى أن الأول يبعده قوله حتى يستلم الحجر.
و على الثاني يكون فيه دلالة على أن الحجر الأسود كان في تلك الخيمة يبتدأ الطواف بها منه. و جاء عن عطاء و سعيد بن المسيب و غيرهما «إن اللّه عز و جل أوحى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض، ابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء» و في رواية «و طف به و اذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي» أي على ما تقدم، و هذا السياق بظاهره يوافق ما تقدم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن هبوط آدم كان من الجنة إلى موضع الكعبة ابتداء،