السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٨ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
أقول: و هذا السياق يدل على أن آدم أهبط من الجنة إلى أرض الهند ابتداء.
و ذكر في مثير الغرام عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أن اللّه تعالى أهبط آدم إلى موضع الكعبة، و هو مثل الفلك من شدة رعدته، ثم قال: يا آدم تخطّ فتخطى فإذا هو بأرض الهند، فمكث هنالك ما شاء اللّه، ثم استوحش إلى البيت، فقيل له: حج يا آدم، فأقبل يتخطى فصار موضع كل قدم قرية، و ما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة» الحديث. و السياق المذكور أيضا يدل على أن الخيمة و الحجر الأسود نزلا بعد خروج آدم من الجنة.
و يدل لكون الحجر الأسود نزل عليه ما في مثير الغرام «و أنزل عليه الحجر الأسود و هو يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه استئناسا به» هذا كلامه.
و في رواية عنه «أنزل الركن و المقام مع آدم ليلة نزل آدم من الجنة، فلما أصبح رأى الركن و المقام فعرفهما فضمهما إليه و أنس بهما» فليتأمل الجمع.
و في رواية أن آدم نزل بتلك الياقوتة: أي فعن كعب: أنزل اللّه من السماء ياقوتة مجوّفة مع آدم فقال له: يا آدم هذا بيتي أنزلته معك، يطاف حوله كما يطاف حول عرشي و يصلى حوله كما يصلى حول عرشي: أي على ما تقدم، و نزل معه الملائكة فرفعوا قواعده من الحجارة، ثم وضع البيت: أي تلك الياقوتة عليها.
و حينئذ يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما.
و قد يقال في الجمع: يجوز أن تكون المعية ليست حقيقية، و المراد أنه نزل بعده قريبا من نزوله، فلقرب الزمن عبر بالمعية، فلا ينافي ما تقدم من قوله: «يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به فأخرج إليه» و جاء «إن آدم نزل من الجنة و معه الحجر الأسود متأبطه» أي تحت إبطه، و هو ياقوتة من يواقيت الجنة، و لو لا أن اللّه تعالى طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه». و كون آدم نزل بالحجر الأسود متأبطا له يخالف الرواية المتقدمة أنه نزل مع تلك الخيمة التي هي الياقوتة بعد نزوله. و حينئذ يحتاج للجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما.
و أيضا يحتاج إلى الجمع بين ذلك و بين ما روي عن وهب بن منبه (رحمه اللّه) أن آدم لما أمره اللّه تعالى بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة: أي التي هي الحجر الأسود مسح بها دموعه، فلما نزل إلى الأرض لم يزل يبكي و يستغفر اللّه و يمسح دموعه بتلك الجوهرة حتى اسودت من دموعه، ثم لما بنى البيت أمره جبريل عليه الصلاة و السلام أن يجعل تلك الجوهرة في الركن ففعل.
و في «بهجة الأنوار» أن الحجر الأسود كما في الابتداء ملكا صالحا. و لما خلق اللّه تعالى آدم أباح له الجنة كلها إلا الشجرة التي نهاه عنها، ثم جعل ذلك الملك