السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٣ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
المدة المذكورة بين أرضيهما في الدحوّ أي دحيت أرض المسجد الحرام، ثم بعد مضي مقدار أربعين سنة دحيت أرض بيت المقدس».
و فيه أن الإمام البلقيني إنما أجاب بذلك بناء على أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام هو الباني للمسجد الحرام، و الباني لمسجد بيت المقدس سيدنا سليمان عليه الصلاة و السلام، فإن بينهما كما قيل أكثر من ألف عام. و كذا لا إشكال إذ كان الباني للمسجد الحرام آدم، و الباني لمسجد بيت المقدس أحد أولاده كما قيل بذلك، و من ثم أجاب بعضهم بأن سليمان إنما كان مجددا لبناء بيت المقدس: و أما المؤسس له فسيدنا يعقوب بن إسحاق بعد بناء جده إبراهيم للمسجد الحرام بالمدة المذكورة، و أما على أن الباني لهما آدم فلا إشكال. و في رواية أن أول من بنى الكعبة أي كلها بعد أن رفعت تلك الخيمة بعد موت آدم شيث ولد آدم بناها بالطين و الحجارة: أي فهي أولية إضافية، ثم لما جاء الطوفان انهدم و بقي محله. و قيل إنه استمر و لم يبنه أحد إلى زمن ابراهيم عليه الصلاة و السلام.
ففي رواية «أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما أراد بناء الكعبة جاء جبريل فضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة ثم بناها إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام على ذلك الأس» و يقال له القواعد: أي كما تقدم، و هذا الأس كما علمت لآدم أو للملائكة أولهما، و إنما قيل له أساس إبراهيم و قواعد إبراهيم لأنه بني على ذلك و لم ينقضه.
و مما يدل للقيل المذكور ما جاء في بعض الروايات عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت دثر مكان البيت أي بسبب الطوفان، بدليل ما جاء في رواية «قد درس مكان البيت بين نوح و إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، و كان موضعه أكمة حمراء، و كان يأتيه المظلوم و المتعوذ من أقطار الأرض و ما دعا عنده أحد إلا استجيب له».
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «لم يحجه هود و لا صالح عليهما الصلاة و السلام، لتشاغل هود بقومه عاد، و تشاغل صالح بقومه ثمود».
و جاء «إن بين المقام و الركن و زمزم قبر تسعة و تسعين نبيا»، و جاء «إن حول الكعبة لقبور ثلاثمائة نبي، و إن ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود لقبور سبعين نبيا، و كل نبي من الأنبياء إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم و أتى مكة يعبد اللّه عز و جل بها حتى يموت» و جاء «ما بين الركن اليماني و الحجر الأسود روضة من رياض الجنة، و إن قبر هود و صالح و شعيب و إسماعيل في تلك البقعة».
أقول: و يوافق ذلك قول بعضهم: إن إسماعيل دفن حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود، لكن جاء «إن قبر إسماعيل في الحجر» و ذكر المحب الطبري أن