السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٦ - باب استخفائه
كالبرص، و لعل حصول ذلك كان قبل دعائه (صلى اللّه عليه و سلم) بأن النار تكون بردا و سلاما عليه.
و عن أم هانئ رضي اللّه تعالى عنها أن عمار بن ياسر و أباه ياسرا و أخاه عبد اللّه، و سمية أم عمار رضي اللّه تعالى عنهم كانوا يعذبون في اللّه تعالى، فمرّ بهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: صبرا آل ياسر، صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» أي و في رواية «صبرا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر، و قد فعلت» فمات ياسر في العذاب، و أعطيت سمية لأبي جهل: أي أعطاها له عمه أبو حذيفة بن المغيرة، فإنها كانت مولاته فطعنها في قلبها فماتت: أي بعد أن قال لها: إن آمنت بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) إلا لأنك عشقتيه لجماله، ثم طعنها بالحربة في قبلها حتى قتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام ا ه.
أي و عن بعضهم كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر و أمه، و يجعل لعمار درعا من حديد في اليوم الصائف، فنزل قوله تعالى: أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) [العنكبوت: الآية ٢].
و جاء «أن عمار بن ياسر قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): صبرا أبا اليقظان، ثم قال: اللهم لا تعذب أحدا من آل عمار بالنار».
قال بعضهم: و حضر عمار بدرا و لم يحضرها من أبواه مؤمنان إلا هو: أي من المهاجرين. فلا ينافي أن بشر بن البراء بن معرور الأنصاري حضر بدرا و أبواه مؤمنان.
و مما أوذي به أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ما روي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: «لما ابتلي المسلمون بأذى المشركين: أي و حصروا بني هاشم و المطلب في شعب أبي طالب، و أذن (صلى اللّه عليه و سلم) لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة و هي الهجرة الثانية، خرج أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد» بالغين المعجمة موضع بأقاصي هجر، و قيل موضع وراء مكة بخمسة أميال، أي و في رواية «حتى إذا سار يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة- بفتح الدال و كسر الغين المعجمة و تخفيف النون- و هو سيد القارة: أي و هو اسمه الحارث» و القارة: قبيلة مشهورة كان يضرب بهم المثل في قوّة الرمي، و من ثم قيل لهم: رماة الحدق لا سيما ابن الدغنة. و القارة: أكمة سوداء نزلوا عندها فسموا بها «قال له: أين تريد يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر يخرج، إنك تكسب المعدوم، و تصل الرحم، و تحمل الكل، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق، و أنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك، فرجع مع ابن الدغنة. فطاف ابن الدغنة في