السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٧ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
شديدة و طارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيها ففزعوا ا ه.
أقول: تقدم في بناء قريش أنهم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها ببعض و أن رجلا أدخل عتلته بين حجرين منها فحصل نحو ما ذكر.
و قد يقال: لا مخالفة بين كون تلك الأحجار كانت خضراء و بين كونها حمراء، لأنه يجوز أن تكون حمرة تلك الأحجار ليست صافية، بل هي قريبة من السواد، و من ثم وصفت: بأنها زرق كما تقدم و الأسود يقال له أخضر، كما أن الأخضر غير الصافي يقال له أسود، و الصافي يقال له أزرق و اللّه أعلم.
و جعل عبد اللّه على تلك القواعد ستورا فطاف الناس بتلك الستور حتى بني عليها، و ارتفع البناء و زاد في ارتفاعها على ما كانت عليه في بناء قريش تسعة أذرع، فكانت سبعا و عشرين ذراعا. زاد بعضهم و ربع ذراع، و بناها على مقتضى ما حدثته به خالته عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فأدخل فيه الحجر: أي لأنه يجوز أن يكون إدخال الحجر هو الذي سمعه من عائشة فعمل به دون غير ذلك من الروايات المتقدمة الدال على أن الحجر ليس من البيت، و إنما منه ستة أذرع و شبر أو قريب من سبعة أذرع.
و فيه أن هذا أي قوله فأدخل فيه الحجر هو الموافق لما تقدم من أن قريشا أخرجت منها الحجر، و هو واضح إن كان وجد الأساس خارجا عن جميع الحجر.
و أما إذا لم يكن خارجا عن جميع الحجر كيف يتعداه و لا يا بني عليه اعتمادا على ما حدثته به خالته عائشة رضي اللّه تعالى عنها. على أنه سيأتي عن نص حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لها: «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوا فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من ستة أذرع» فليتأمل، و جعل لها خلفا:
أي بابا من خلفها و ألصقه بالأس كالمقابل له.
قال: و لما ارتفع البناء إلى مكان الحجر الأسود و كان في وقت الهدم وجد مصدعا بسبب الحريق كما تقدم، فشده بالفضة، ثم جعله في ديباجة، و أدخله في تابوت و أقفل عليه، و أدخله دار الندوة، فحين وصل البناء إلى محله أمر ابنه حمزة و شخصا آخر أن يحملاه و يضعاه محله و قال: إذا وضعتماه و فرغتما فكبرا حتى أسمعكما فأخفف صلاتي، فإنه صلى بالناس بالمسجد اغتناما لشغلهم عن وضعه لما أحس منهم بالتناقض في ذلك: أي أن كل واحد يريد أن يضعه و خاف الخلاف، فلما كبرا تسامع الناس بذلك، فغضب جماعة من قريش حيث لم يحضرهم.
و كون الحجر وجد مصدعا بسبب الحريق، و كون ابن الزبير شده كذلك بالفضة لا ينافي ما وقع بعد ذلك من أن أبا سعيد كبير القرامطة و هم طائفة ملاحدة ظهروا