السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٤ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
فجمع بين الصلاتين المغرب و العشاء الآخرة، ثم بات بهما حتى طلع الفجر، ثم صلى بهما صلاة الغداة، ثم وقف بهما على قزح حتى إذا أسفر أفاض بهما إلى منى، فأراهما كيف رمى الجمار، ثم أمرهما بالذبح، و أراهما المنحر من منى و أمرهما بالحلق، ثم أفاض بهما إلى البيت، فليتأمل ذلك فإن فيه التصريح بأن إبراهيم و إسماعيل صليا مع جبريل جماعة الصلوات الخمس، و جمعا تقديما بين الظهر و العصر، و تأخيرا بين المغرب و العشاء للنسك، و هو مخالف لقول أئمتنا لم تجمع الصلوات الخمس إلا لنبينا (صلى اللّه عليه و سلم).
ففي الخصائص الصغرى: و خص بمجموع الصلوات الخمس، و لم تجتمع لأحد، و بالعشاء و لم يصلها أحد، و بالجماعة في الصلاة إلا أن يدعى أن المراد الجمع على جهة المداومة على ذلك لجواز أن يكون إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام لم يداوما على ذلك، و فيه ما لا يخفى.
و في الوفاء عن وهب قال: أوحى اللّه تعالى إلى آدم عليه الصلاة و السلام «أنا اللّه ذو بكة، أهلها جيرتي، و زوارها وفدي و في كنفي، أعمره بأهل السماء و أهل الأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا، يعجون بالتكبير عجا، و يرجّون بالتلبية ترجيجا، و يثجون بالكباء ثجا. فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني و ضافني و وفد إليّ و نزل بي، و حق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل ذلك البيت و ذكره و شرفه و مجده و ثناءه لنبي من ولدك يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، و أقضي على يديه عمارته، و أنيط له سقايته، و أريه حله و حرمه، و أعلمه مشاعره، ثم يعمره الأمم و القرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين، و أجعله من سكانه و ولاته و حجابه و سقاته، فمن سأل عني يومئذ فأنا من الشعث الغبر، الموفين بنذورهم، المقبلين على ربهم».
و لما دعا إبراهيم عليه الصلاة و السلام بقوله تعالى: وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: الآية ٣٧] أي دعا بذلك و هو على ثنية كداء بالمد. فعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام حين قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ [إبراهيم: الآية ٣٧] كان على الثنية العليا ذكره السهيلي، و عند ذلك نقل له الطائف من فلسطين من أرض الشام: أي و ببركة دعائه عليه الصلاة و السلام يوجد بمكة الفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية و الصيفية و الخريفية في يوم واحد، ذكره في الكشاف.
ثم لما فرغ: أي من بناء البيت و حج و طاف بالبيت لقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه، فقال لهم: ما تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم:
سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلا اللّه، و اللّه أكبر، فأعلمناه بذلك، فقال: زيدوا