السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٢ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
بالمسجد، لأن الحجاج كان أميرا على الجيش الذي أرسله عبد الملك بن مروان لقتاله.
و كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: أن اهدم ما زاده ابن الزبير فيها، أي يهدم البناء الذي جعله على آخر الزيادة التي أدخلها في الكعبة، و كانت قريش أخرجتها بدليل قوله وردها إلى ما كانت عليه، و سد الباب الذي فتح: أي و أن يرفع الباب الأصلي إلى ما كان عليه زمن قريش، و اترك سائرها: أي لأنه اعتقد أن ابن الزبير فعل ذلك من تلقاء نفسه: فكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بأن عبد اللّه بن الزبير وضع البناء على أسّ قد نظر إليه العدول من أهل مكة: أي و هم خمسون رجلا من وجوه الناس و أشرافهم كما تقدم. فكتب إليه عبد الملك: لسنا من تخبيط ابن الزبير في شيء، فنقض الحجاج ما أدخل من الحجر و سد الباب الثاني، أي الذي في ظهر الكعبة عند الركن اليماني، و نقص من الباب الأول خمسة أذرع: أي و رفعه إلى ما كان عليه في زمن قريش، فبنى تحته أربعة أذرع و شبرا، و بنى داخلها الدرجة الموجودة اليوم.
و في لفظ أن الحجاج لما ظفر بابن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس فيها و أحدث فيها بابا آخر، و استأذن في ردّ ذلك على ما كانت عليه في الجاهلية. فكتب إليه عبد الملك أن يسد بابها الغربي و يهدم ما زاد فيها من الحجر، ففعل ذلك الحجاج، فسائرها قبل وقوع هذا الهدم بالسيل الواقع في سنة تسع و ثلاثين بعد الألف، و بنيانه على بنيان ابن الزبير إلا الحجاب الذي يلي الحجر، فإنه من بنيان الحجاج: أي و البناء الذي تحت العتبة و هو أربعة أذرع و شبر، فإن باب الكعبة كان على عهد العماليق و جرهم و إبراهيم عليه الصلاة و السلام لاصقا بالأرض حتى رفعته قريش كما تقدم، و ما سد به الباب الغربي و الردم كان بالحجارة التي كانت داخل أرض الكعبة، أي التي وضعها عبد اللّه بن الزبير: أي و لعله إنما وضع في ذلك المحل الحجارة التي تصلح للبناء، فلا ينافي ما أخبرني به بعض الثقات أن بعض بيوت مكة كان فيها بعض الحجارة التي أخرجت من الكعبة زمن عبد اللّه بن الزبير.
و يقال إن ذلك البيت الذي كان فيه تلك الحجارة كان بيتا لعبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، و بناء الحجاج كان في السنة التي قتل فيها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه و هي سنة ثلاث و سبعين.
قيل و لما دخل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه و هو محاصر، حاصره الحجاج خمسة أشهر و قيل سبعة أشهر و سبع عشرة ليلة على أمه أسماء رضي اللّه تعالى عنهما قبل قتله بعشرة أيام و هي شاكية: أي مريضة فقال لها: كيف تجدينك يا