السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٤ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
و لما سمعت سيدتنا أسماء رضي اللّه تعالى عنها الحجاج يقول في ولدها المنافق، قالت له: كذبت، و اللّه ما كان منافقا، و لكنه كان صوّاما قوّاما برا كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، و سر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حنكه بيده، و كبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به، كان عاملا بكتاب اللّه، حافظا لحرم اللّه، يبغض أن يعصى اللّه عز و جل، قال: انصرفي فإنك عجوز قد خرفت، قالت: و اللّه ما خرفت و لقد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «يخرج من ثقيف كذاب و مبير» أما الكذاب فقد رأيناه تعني المختار بن أبي عبيد الثقفي والي العراق، فإنه لما قتل الحسين رضي اللّه تعالى عنه اتفق مع طائفة من الشيعة ممن كان خذل الحسين، و لما قتل ندموا على ذلك، فوافقوا المختار على مقاتلة من قتل الحسين من أهل الكوفة، فتوجهوا إليه و قتلوا جميع من قاتل الحسين و ملكوا الكوفة و شكر الناس للمختار ذلك، ثم قالت: و أما المبير فأنت المبير.
و لما بلغ عبد الملك ما قاله الحجاج لأسماء كتب إليه يلومه على ذلك: أي و من ثم أرسل إليها الحجاج، فأبت أن تأتيه، فأعاد إليها الرسول و قال: إما أن تأتيني أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك، فأبت و قالت: و اللّه لا آتيك حتى تبعث إليّ من يسحبني بقروني فعند ذلك أخذ نعليه و مشى حتى دخل عليها، فقال: يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأمّ و لكني أم المصلوب على رأس الثنية، و ما لي من حاجة، و لكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «يخرج من ثقيف كذاب و مبير» فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فأنت، فقال الحجاج: مبير للمنافقين. و من كذب المختار أنه ادعى النبوّة و أنه يأتيه الوحي و يسر ذلك لأحبابه.
و في دلائل النبوة للبيهقي عن بعضهم قال: كنت أقوم بالسيف على رأس المختار ابن أبي عبيد، فسمعته يوما يقول: قام جبريل عن هذه النمرقة، و في رواية من على هذا الكرسي، فأردت أن أضرب عنقه، فتذكرت حديثا حدثته أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة» فكففت عنه، و لعل هذا مستند ما نقل عن كتاب الإملاء لإمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه من القول بأن المسلم يقتل بالمستأمن.
و قد كتب المختار للأحنف بن قيس و جماعته: و قد بلغني أنكم تسموني الكذاب و قد كذب الأنبياء من قبلي و لست بخير منهم.
و قد كان يقع منه أمور تشبه الكهانة، منها أنه لما جهز جيشا لقتال عبيد اللّه بن زياد المجهز لمقاتلة الحسين رضي اللّه تعالى عنه كما تقدم قال لأصحابه في غد يأتي إليكم خبر النفير. و قتل ابن زياد فكان كما أخبر، و جيء برأس ابن زياد و ألقيت بين