السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٩ - باب بيان حين المبعث و عموم بعثته
عندهم» أي بوقوفهم على أخبارهم «و لا أفضحهم عند الأمم» أي لتأخرها عنهم، و عليه فالضمير في (دنا) يعود إليه (صلى اللّه عليه و سلم). و ذكر بعضهم أن دَنا فَتَدَلَّى [النجم: الآية ٨] الآية، عبارة عن تقريبه تعالى للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فالضمير في دنا إلى آخره يعود إلى اللّه تعالى و هو معنى لطيف. و في رواية «نحن الآخرون من أهل الدنيا، و الأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق» و في رواية «نحن آخر الأمم، و أول من يحاسب، تنفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غرّ محجلين من أثر الطهور» و في رواية «من آثار الوضوء، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها» هذا، و في رواية «غرا من أثر السجود محجلين من أثر الوضوء» و في رواية «فضلت على الأنبياء بست» أي و لا مخالفة بين ذكر الخمس أولا و بين ذكر الست هنا، لأنه يجوز أن يكون اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي، هذا على اعتبار مفهوم العدد، ثم أشار إلى بيان الست بقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «أعطيت جوامع الكلم، و نصرت بالرعب، و أحلت لي الغنائم، و جعلت لي الأرض طهورا و مسجدا، و أرسلت إلى الخلق كافة» و الخلق يشمل الإنس و الجن و الملك و الحيوانات و النبات و الحجر.
قال الجلال السيوطي: و هذا القول، أي إرساله للملائكة. رجحته في كتاب الخصائص و قد رجحه قبلي الشيخ تقي الدين السبكي، و زاد أنه مرسل لجميع الأنبياء و الأمم السابقة من لدن آدم إلى قيام الساعة. و رجحه أيضا البارزي، و زاد أنه مرسل إلى جميع الحيوانات و الجمادات، و أزيد على ذلك أنه أرسل إلى نفسه.
و ذهب جمع إلى أنه لم يرسل للملائكة منهم ما الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح و الجلال المحلي في شرح جمع الجوامع، و مشيت عليه في شرح التقريب. و حكى الفخر الرازي في تفسيره و البرهان النسفي في تفسيره فيه الإجماع هذا كلامه، و بهذا الثاني أفتى والد شيخنا الرملي، و عليه فيكون قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «أرسلت للخلق كافة» و قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: الآية ١] من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص.
و لا يشكل عليه حديث سلمان «إذا كان الرجل في أرض و أقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه، يركعون بركوعه، و يسجدون بسجوده» لأنه يجوز أن لا يكون ذلك صادرا عن بعثته إليهم.
و لا يشكل ما ورد «بعثت إلى الأحمر و الأسود» لما تقدم أن المراد بذلك العرب و العجم. و في الشفاء: و قيل الحمر الإنس، و السود الجانّ، و استدل للقول الأول القائل بأنه أرسل للملائكة بقوله تعالى: وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ [الأنبياء: الآية ٢٩] أي من الملائكة إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء: الآية ٢٩] فهي إنذار للملائكة على لسانه (صلى اللّه عليه و سلم) في القرآن العظيم الذي أنزل عليه، فثبت بذلك إرساله إليهم