المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٩ - باب ذكر خلافة أبي العباس السفاح
من اللَّه تعالى، و لا ثواب عندنا لمن آثرنا عليه». و ظفر ببردة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، فابتاعها بأربعة آلاف دينار، و لم يرو إلا حديثا واحدا، و كان نقش خاتمه: «اللَّه ثقة عبد اللَّه».
و كان وزيره أبو الجهم عطية بن حبيب. و قال أبو بكر الصولي: أول من وزر لبني العباس أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، ثم خالد بن برمك.
فصل: و لما ولي الخلافة [١] خرج يوم الجمعة فصلى بالناس ثم قال في خطبته: الحمد للَّه الّذي اصطفى الإسلام لنفسه، و كرمه، و شرّفه، و عظّمه، و اختاره لنا و أيّده، و جعلنا أهله و كهفه و حصنه و القوام به، و الذابين عنه، و الناصرين له، و خصّنا برحم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، و أنبتنا من شجرته، و اشتقّنا من نبعته، و أنزل بذلك كتابا، فقال فيه: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) [٢]. فلما قبض اللَّه رسوله قام بذلك الأمر أصحابه، و أمرهم شورى بينهم، فعدلوا و خرجوا خماصا، ثم وثب بنو حرب و مروان، فابتزوها و تداولوها، فاستأثروا بها، و ظلموا أهلها، فأملى اللَّه لهم حينا فلما أسفوه انتقم اللَّه منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، و أنا السفاح المبيح، و الثائر المبير [٣].
و كان موعوكا فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر و تكلم فقال:
إنّا و اللَّه ما خرجنا لنكثر لجينا و لا عقيانا، و لا نحفر نهرا، و إنما أخرجتنا [٤] الأنفة من ابتزازهم لحقّنا. و لقد كانت أموركم ترمضنا، لكم ذمة اللَّه عز و جل، و ذمة رسوله صلى اللَّه عليه و سلّم، و ذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل اللَّه، و نعمل بكتاب اللَّه، و نسير فيكم بسيرة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، و اعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم.
ثم نزل أبو العباس و داود أمامه حتى دخل القصر، فأجلس أبا جعفر و أخذ البيعة على الناس في المسجد، و أعظم التدبير أبو سلمة حفص بن سليمان، و لقب بالوزارة، و هو أول من سمي بها، و كتب إليه أبو مسلم: للأمير أبي سلمة، وزير آل محمد من عبد الرحمن أبي مسلم أمير آل محمد.
[١] تاريخ الطبري ٧/ ٤٢٥.
[٢] سورة: الشورى، الآية: ٢٣.
[٣] في الأصل: «المثر». و ما أوردناه من ت.
[٤] في الطبري: «أخرجنا».