المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣ - باب ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك
باب ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك [١]
و يكنى أبا أيوب، بويع يوم موت أخيه الوليد، و كان بالرّملة، فوصل الخبر إليه بعد سبعة أيام، [فبويع]، و سار إلى دمشق، فورد على فاقة من الناس إليه لما كانوا فيه من جور الوليد و عسفه، فأحسن السيرة، و رد المظالم، و فك الأسرى، و أطلق أهل السجون، و اتخذ عمر بن عبد العزيز وزيرا، ثم عهد إليه.
و كان طويلا أسمرا أعرج أكولا [٢]، نشأ بالبادية عند أخواله، فلما قدم صعد المنبر، فخنقته العبرة، ثم قال:
ركب القلا به المطي فغافل * * * عن سيره و مشمّر لم يغفل
لا بدّ أن يرد المقصر و الّذي * * * حب النجاء محله لم تحلل
يا أيها الناس، رحم اللَّه من ذكر فاذّكر، فإن العظة تجلو العمى، إنكم أوطنتم أنفسكم دار الرحلة، و اطمأننتم إلى دار الغرور فألهاكم الأمل و غرتكم الأماني، فأنتم سفر و إن أقمتم، و مرتحلون و إن وطنتم، لا تشتكي مطاياكم ألم الكلال، و لا يتعبها دأب السير، ليل يدلج بكم و أنتم نائمون، و نهار يجد بكم و أنتم غافلون، لكم في كل يوم مشيع لا يستقبل، و مودع لا يؤوب. أ و لا ترون- رحمكم اللَّه- إلى ما أنتم فيه منافسون، و عليه مواظبون، و له مؤثرون، من كثير يفنى، و جديد يبلى، كيف أخذ به المخلفون له، و حوسبوا عليه [٣] دون المتنعم به، فأصبح كل منهم رهنا بما كسبت يداه. و ما اللَّه بظلام للعبيد.
[١] تاريخ الطبري ٦/ ٥٠٥، و البداية و النهاية ٩/ ١٨٦.
[٢] ذكرت جميع المراجع أنه كان طويلا أبيض، و لم تذكر المراجع أنه أعرج.
[٣] في ت: «و حوسبوا به دون».