المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤ - باب ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك
فيا أيها اللبيب المستبصر فيهم تذهب أيامك ضياعا؟ و عما قليل [١] يقع محذورك، و ينزل بك ما اطرحته وراء ظهرك، فأسلمك عشيرك، و فرّ منك قريبك، فنبذت بالعراء، و انفضت عنك الدنيا.
فامهد لنفسك أيها المغرور، و اعمل قبل ركوب المضيق و سد الطريق، فكأني بك قد أدرجت في أطمارك، و أودعت ملحدك، و تصدع عنك أقربوك، و اقتسم مالك بنوك، و رجع القوم يرعون في زهرات موبق دنياك التي كدحت لها و ارتحلت عنها، فأنت كما قال الشاعر:
سترحل عن دنيا قليل بقاؤها * * * عليك، و إن تبقى فإنك فان
إن اللَّه عبادا فروا منه إليه فجالت فكرتهم في ملكوت العظمة، فعزفت عن الدنيا نفوسهم.
أيها الناس، أين الوليد و أبو الوليد وجد الوليد خلفاء اللَّه، و أمراء المؤمنين، و ساسة الرعية؟ أسمعهم الداعي، و قبض العارية معيرها، فاضمحل ما كان كأن لم يكن، و أتى ما كأنه لم يزل، و بلغوا الأمد، و انقضت بهم المدة، و رفضتهم الأيام و شمرتهم الحادثات، فسلبوا عن السلطنة، و نفضوا لدّة الملك، و ذهب عنهم طيب الحياة، فارقوا و اللَّه القصور و سكنوا القبور، و استبدلوا بلينة الوطاء خشونة الثرى، فهم رهائن التراب إلى يوم الحساب. فرحم اللَّه عبدا مهد لنفسه، و اجتهد لدينه، و أخذ بحظه، و عمل في حياته، و سعى لصلاحه، و عمل ليوم (تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [٢] أيها الناس، إن اللَّه عز و جل [٣] جعل الموت حتما سبق به حكمه، و نفذ به قدره، لئلا يطمع أحد في الخلود، و لا يطغي المعمر عمره، و ليعلم المخلف بعد المقدم أنه غير مخلد. و قد جعل اللَّه الدنيا دارا لا تقوم إلا بأئمة العدل، و دعاة الحق، و إن للَّه عبادا
[١] في الأصل: «و عن قليل يقع». و ما أوردناه من ت.
[٢] سورة: آل عمران، الآية: ٣٠.
[٣] في الأصل: «إن اللَّه جل و عز». و ما أوردناه من ت.