شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٥٩ - المسألة الثّانية والعشرون في أنّ علّة افتقار الممكن إلى العلّة ماذا؟
فإن قيل: الإمكان أيضاً لكونه كيفيّة النّسبة بين الماهيّة والوجود متأخّر عن الوجود، فلا يكون علّة للافتقار المتقدّم عليه بمراتب .
قلنا: الإمكان إنّما هو كيفيّة النّسبة بين الماهيّة ومفهوم الوجود من حيث هو متصوّر، لا بين الماهيّة والوجود الحاصل لها.
ولهذا يوصف الماهيّة بالإمكان قبل اتّصافها بالوجود، بخلاف الحدوث، فإنّه مسبوقيّة الوجود الحاصل للماهيّة بالعدم، ولاشك في تأخّره[١] عن الإيجاد لصّحة أن يقال: «أوجد فحدث»، وبذلك يتمّ المطلق، سواء قلنا بتأخّره عن الوجود أيضاً، أو لا.
وبالجملة: لا يتّصف الماهيّة به إلاّ حال الوجود، لا قبله.
فإن قيل: هذا إنّما يتمّ إذا كان مرادهم[٢] كون الحدوث بالفعل علّة للحاجة[٣]، ويستبعد أن يقول به عاقل.
أمّا لو أرادوا أنّ علّة الحاجة كونه بحيث لو وجد لكان حادثاً فلا، لأنّ هذه الحيثيّة لا يتأخّر عن الوجود; أي كون الماهيّة موجودة، بل عن الماهيّة ومفهوم الوجود كما في الإمكان بعينه.
قلنا: إذا فسّر الحدوث بذلك لزم أن يكون الممكن المعدوم حال عدمه حادثاً كما كان ممكناً، وهو باطل بالضّرورة.
لا يقال: إنّما يلزم جواز إطلاق الحادث عليه بمعنى الحيثيّة المذكورة ولا
[١] أي الحدوث .
[٢] أي القائلين بأنّ الحدوث علّة.
[٣] لأنّ الحدوث حينئذ متأخّر عن الوجود بمراتب.