شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٧٥ - المسألة الرّابعة والعشرون في أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد
فإن قيل: حكم العقل بهذا التّرتيب باطل، لأنّه لا وجوب بالنّسبة إلى العلّة النّاقصة ; بل التّامّة، والوجوب إذا كان ممّا يتوقّف عليه الوجود كان جزء من العلّة التّامّة، فيكون متقدّماً عليها لا متأخّراً.
أُجيب: بأنّ جزء العلّة التّامّة ما يتوقف عليه المعلول في الخارج لا في اعتبار العقل، ولو سلّم، فالوجوب يعتبر بالنّسبة إلى علّة ناقصة هي جميع ما يتوقّف عليه الوجود سوى الوجوب.
فإن قيل: ما ذكرتم من كون وجود الممكن مسبوقاً بالوجوب لا يصحّ فيما يصدر عن الفاعل المختار، لأنّ الوجوب ينافي الاختيار وحينئذ ينتقض دليلكم.
أُجيب: بأنّ الاختيار إذا كان من تمام العلّة لم يتحقّق الوجوب إلاّ بعد تحقّق الاختيار، وكون المعلول واجباً بالاختيار لا ينافي كونه مختاراً، بل يحقّقه .
والإمكان لازمٌ وإلاّ يجب الماهيّة أو يمتنع ; أي الإمكان لازم لماهيّة الممكن غير منفكّ عنها، وإلاّ لزم صيرورة الماهيّة واجبةً بالذّات أو ممتنعةً بالذّات، لامتناع الخلوّ بين الثّلاثة، فيلزم الانقلاب، بخلاف الوجوب والامتناع الغيريّين[١]، فإنّهما منفكّان لا محالة بزوال الغير .
وهذه مسألة على حدة أوردها في خلال مسألة وجوب الممكن لئلاّ يتوّهم أن عند عروض الوجوب يرتفع الإمكان.
وقد يستدلّ على ذلك:[٢] بأنّ الإمكان لو لم يكن لازماً لماهيّة الممكن، بل يكون حادثاً بعد ما لم يكن، فإن كان حدوثه لها لأمر يقتضيه، فيكون الإمكان
[١] وقد بيّن امتناعه في المسألة التاسع عشرة.
[٢] أي على كون الإمكان لازماً لماهيّة الممكن.